‏إظهار الرسائل ذات التسميات معالم إسلامية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات معالم إسلامية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، مايو 09، 2011

المسجد الأزرق فى تركيا

بدأ العمل في مسجد السلطان أحمد في استنابول عام 1609م، واستمر طيلة سبع سنين إلى أن انتهى وافتتح عام 1616م، قبيل وفاة السلطان أحمد بعام واحد، وأصبح معلماً من معالم العمارة الإسلامية، يلوح في الأفق بمآذنه الرشيقة للناظرين من بعيد، خاصة القادمين على سطح بحر مرمرة أو مضيق البوسفور كأوسع مجمعات استنابول الإسلامية، وأرحب ما انشئ من المساجد السلطانية وأكثرها مآذنا

ويشبه هذا المسجد مسجد شهزاده، والمسجد الجديد ( يني جامع ) الذين بناهما المهندس داود آغا من قبل

والصورة العامة لمسجد السلطان أحمد: قاعة للصلاة يسبقها صحن من حوله أروقة من ثلاث جهات

وتحيط بالمسجد هذا أبنية ملحقة به منها مدرسه للتعليم الإبتدائي ( الأولي ) ومستشفى متخصصاً في علاج الأمراض، وسوق وقسيارية، ودارٌ للمرق ( أي مطعماً) للفقراء، وسبيلُ ماء للعطاش، ومحلاتٌ تدرّ ريعا ومورداً ما لياً للمسجد، وضريح السلطان أحمد يرقد فيه إلى يوم الدين .. هذا كله وسط حديقة غناء تغمر أرضها الخضرة وتظللها الأشجار الباسقة وتزينها الورود الملونة


قاعة الصلاة ومعالم رائعة
فأما قاعة الصلاة في مسجد السلطان أحمد ( أو المسجد الأزرق ) فمساحتها مستطيلة قريبة من التربيع، إذ أن طولها 72 متراً وعرضها 64 متراً، وهي بذلك من أوسع قاعات الصلاة، ويدخل إليها من صحن المسجد ( الفناء الخارجي ) بواسطة ثلاثة أبواب برونزية، الأوسط منها هو الأوسع، وهي ثلاثتها صنعها المعلم زكي شلبي في قمة الإبداع الفني، ولها عتبات رخامية مرمرية.

وترتفع وسط بيت الصلاة القبة الفخمة التي أراد لها السلطان أحمد أن تزيد على قبة آيا صوفيا فكان قطرها 33.5 متراً. بزيادة عليها قدرها متران ونصف تقريباً وهذه التي ترتفع 43 متراً على أربعة قناطر ( عقود ) كبيرة تتكئ على أربعة أكتاف ضخمة يطلقون عليها اسم ( أرجل الفيل ) يبلغ قطر الواحدة منها خمسة أمتار، وتلتف حولها جدران المسجد.

ويحف بالقبة الكبيرة أربعة أنصاف قباب، وقد أضفى استخدام أنصاف القباب حول القبة الكبرى على داخل المبنى احساساً بالانطلاق والإنسيابية حتى أصبحت الرحابة ـ وهي ذات منهج وتأثير أخاذ ـ صفة من صفات المهندس محمد آغا، استطاع أن يطور أفكار أستاذه العظيم سنان باشا في الجمع بين سلاسة الداخل وجمال المظهر الخارجي، بما نثره حول القبة الكبرى والقباب الصغرى من نوافذ، أحسن صنعها وأتقن عقودها وقدر نِسَبها وأبعادها، فأصبح المسجد يتلألأ بالضوء من خلال 260 نافذه موزعة على خمسة صفوف ومحلاة بالزجاج الملون، حتى ترى المسجد وكأنه القصر الذي يتحلى بأبدع الزخرف

خاصة إذا علمنا أن نور تلك النوافذ ينسكب على 21043 بلاطة خزفية لماعة، تجمع أكثر من خمسين تصميماً، منها تصاميم زهور التوليب والقرنفل والفروع النباتية، وهي تغطى الجدارن بلونيها الأزرق والأخضر، كما تغطى ثلث كل عمود إلى ارتفاع الممرات

وقد قام على صناعة تلك البلاطات الخزفية المعلم الخزاف (حسين) وهي تعتبر من أغنى مجموعات الخزف التي ما تزال في أماكنها، بعد تلك الموجودة في القصر الملكي العثماني طوب قابي سراي.

ومن النماذج التي لا نظير لها في المسجد أيضاً البلاطات الفيروزية اللون ذات الكتابات القرآنية المذهبة التي تزين الجناح السلطاني في المقصورة، وهذه الكتابات من ابداع الخطاط أحمد غباري.

وكذا الزخارف المتعددة الألوان الموجودة أسفل تلك الكتابات، وتشغل الزخارف المدهونة كل جزء من أجزار المبنى ، سواء في ذلك الدعائم المصبعة أو القباب

وقد اضفى لونها الأزرق على المسجد من الداخل احساساً قوياً لسيطرة هذا اللون مما دفع الناس إلى تسميته بالجامع الأزرق

ونلمح فوق ذلك ابداعت من روائع المهندس المشرف على المسجد (محمد آغا) الذي هو في الأصل متخصص في الصدف، فيما هنالك من تطعيم بالصدف على كل الأبواب ومصاريع النوافذ.


منبر ومحراب من مرمر نفيس
ويلفت النظر في مسجد السلطان أحمد ( المسجد الأزرق ) في قاعة الصلاة المنبر المتصدر لجدار القبلة مع المحراب المجاور له/ وهما من المرمر النفيس، ويمثلان قمة الجمال والإبداع في الزخارف والنقوش المغطية لهما، ويحف بالمحراب شمعدانان كبيران


المقصورة السلطانية :
كما تلفت النظر في قاعة الصلاة مقصورة السلطان الواقعة في الزاوية اليسرى من قاعة الصلاة . ولها محراب خاص بها، مزخرف بأعمال الموزاييك، ومطعم بالأحجار الكريمة.

وباب تلك المقصورة من نوع فريد يقال له عرق اللؤلؤ، وهو مطعم بأعمال خزفية مكسوة بالذهب.

أما الحواجز المرمرية المؤدية إلى المقصورة ففيها من أعمال النحت والنقش ما يمكن أن يضرب به المثل في روعة أعمال الإبداع البشري على صفحات الحجر الإصم .


صحن فسيح واسع
وأما صحن المسجد فهو فناء كبير تحيط به أروقة أربعة فيها صف من البوائك محمول على 26 عموداً من الغرانيت ولهذا الأعمدة تيجان من الرخام تزخرفها مقرنصات وتحمل بوائك الأروقة 30 قبة تدور حول صحن المسجد

كما تتوسط صحن المسجد ميضأة سداسية الشكل تقوم على سته أعمدة رخامية في زواياها الستة وفيها نماذج من النقش جميلة

وتتضمن المسجد ثماينة أبواب من جهاته الثلاث.


المآذن العثمانية الشهيرة :
ولا تستطيع العين أن تتجاهل منظر المآذن الست المنتشرة في أطراف المسجد أربعة منها في زوايا قاعة الصلاة، واثنتان في زاويتي صحن المسجد، وهي تشبه السهم الصاعد إلى السماء، أو قلم الرصاص المبري جيداً . وتلك صفة عامة في المآذن العثمانية.

وفي كل من المنارات الأربع المحيطة ببيت الصلاة ثلاث شرفات، أو ثلاث مواقف للمؤذنين، بينما في كل من الاثنتين اللتين في ركني صحن المسجد موقفان أو شرفتان فقط..

وإذا كانت الدعوة إلى الصلاة اليوم تتم من خلال مكبرات الصوت، فإنه في الماضي كان المؤذنون يصعدون على الشرفات الستة عشر خمسَ مرات كل يوم.


مجمع متكامل لا مسجد فقط:
وليس صحن المسجد مع بيت الصلاة مع المنائر ليس هذا كله جميع مسجد السلطان أحمد .. ذلك أن هذا السلطان بنى مجمعا كاملاً يؤدي غرضاً دينيا ًواجتماعياً واقتصادياً وحضارياً
























مكة المكرمة

مسجد الكتبية


يعود أصل الاسم إلى مهنة مزدوجة: الكتبة-الخطاطون الذين عملوا بجواره. ويعد هذا الجامع الذي أمر ببنائه الخليفة الموحدي عبد المؤمن بن علي في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي.

يقول صاحب الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية: " فبنى عبد المومن بدار الحجر مسجدا آخر، جمع فيه الجمعة، وشرع في بناء المسجد الجامع، وهدم الجامع الذي كان أسفل المدينة الذي بناه علي بن يوسف..."

وقصر الحجر، كان موقعه- كما يظن – حيث قبر يوسف بن تاشفين الآن.

ويذكر عبد الله علي علام في كتابه الدولة الموحدية في عهد عبد المومن، ص374-375 أنه: " كان بناء هذا المسجد عقب فتح مراكش مباشرة سنة 541هـ. ( من طرف الموحدين ). وبهذا يعتبر مسجد الكتبية الأول المسجد الثاني...أما مسجد الكتبية الآخر فيشير إليه صاحب الاستبصار الذي يذكر أن عبد المومن حول الجزء الباقي من قصر الحجر إلى مسجد ثاني ورفع بين المسجدين المنار العظيم، الذي لم يشيد في الإسلام مثله. ثم أكمله ابنه يوسف بن عبد المومن. وقد بني المسجد الثاني بالكتبية في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة من الهجرة....وصومعة مسجد الكتبية بدئ فيها في عهد عبد المومن بن علي، ثم أتمها حفيده يعقوب المنصور. وكانت المثال الذي احتداه بناة صومعتي الرباط واشبيلية.."

ويعتبر جامع الكتبية من أهم جوامع المغرب. إنه ذو أبعاد استثنائية، فهو يشغل مساحة 5300 متر مربع وفيه 17 جناحًا و11 قبة مزدانة بالنقوش. فيه أعلنت قرارات السلاطين المهيبة وجرت كبريات الأحداث. الجامع ومئذنته المزخرفة في أجزائها العليا بإفريز خزفي مطلي بلون الفيروز أصبحا رمزًا للمدينة. أما منبر الكتبية الجليل فهو مزوّد بنظام آلي للحركة يعتبر من روائع فن النجارة الإسلامية. وقد صنع هذا المنبر في قرطبة في بداية القرن الثاني عشر بطلب من الأمير المرابطي علي بن يوسف بن تاشفين من أجل الجامع الذي انتهى من بنائه في مراكش. نقل المنبر إلى الكتبية نحو سنة 1150م.

نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

أول و أهم صورة، تظهر فيها المئذنة الكبيرة التي يمكن أن ترى على بعد 80 كلم من مراكش، و بجانبها جزء مهدم من المسجد، اعتقد البعض أنه بفعل الزمن أو ما شابه، غير أن أحد الأمراء الموحدين هو من أمر بتهديمه و إنشاء الجزء الآخر الباقي إلى الآن..

الصورة مأخوذة من الجانب الذي فيه المقبرة الآن، أي الجانب الغربي..

نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

صورة مأخوذة من الجانب الجنوبي للمسجد، و هي من الحديقة المجاورة للمسجد، و هي حديقة حقا رائعة بنوافيرها و سبلها و ورودها..

نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

هذه الصورة مأخوذة من الجانب الشرقي للمسجد، قرب مكان عرف باسم قصر الحجر، و هو أول ما بني في مراكش و كان قصرا للأمير الموحدي..

نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

هذه الصورة مأخوذة من الجانب الجنوبي للمسجد، يظهر فيها بابان مختلفا الزخرفة، لكن أحدهما مغلق لأسباب لا أعرفها شخصيا...

نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

و هذه الصورة مأخوذة من الجانب الشمالي للمسجد، من مكان نسبي بعيد عن المسجد، و هكذا تبدو الكتبية عند مغيب الشمس، و هو منظر رائع فعلا

و هذه صور متنوعة مأخوذة ليلا:

نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

هذه الصورة مأخوذة من ساحة جامع الفنا، و تظهر الكتبية في الخلفية

نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


هذه آخر صورة و هي رسم توضيحي لطول الكتبية مع بعض المآذن التي تحولت فيما بعد إلى كنائس و الله المستعان

نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

أتمنى أن تكون الجولة قد أعجبتكم.. و إن شاء الله يتبع بتعرفي آخر للمزيد من المآثر المراكشية

الجمعة، أبريل 15، 2011

نبذة تاريخية عن جامعة القرويين و مكتبتها

تقع جامعة القرويين في القطاع الغربي من مدينة فاس بالمغرب. والجامعة كانت في الأصل جامعا صغيرا أول من أسسه إدريس الثاني من حكام دولة الأدارسة، وكان يسمي جامع الشرفاء. وظل الحال هكذا حتى اتسعت العمارة في فاس وساد الرخاء المغرب.




نبذة تاريخية

صادف في ذلك الوقت أن مهاجرا من عرب الحجاز يسمى محمد بن عبد الله الفهري كان قد سكن القيروان وكسب مالا عريضا، فلما توفي ورث ماله ابنتاه فاطمة ومريم، وشاءتا إنفاق جزء كبير من المال في أعمال الخير، فأنفقتاه في تجديد بناء الجامع وتوسعته عام 245هـ / 859 م. فتضاعف حجمه، ووسع صحنه، وأنشئ للجامع محراب ومنبر جديدان، وبنيت المئذنة. ثم لما كان عهد الزناتيين، وازداد سكان مدينة فاس، زاد عليه الأمير الزناتي عام 322هـ / 934 م. زيادات كبيرة من جهاته الثلاث الشرقية والغربية والشمالية، وأدخلت عليه بعض الإصلاحات.
فلما جاء المرابطون أولوا الجامع عناية كبيرة، فزاد فيه الأمير علي بن يوسف المرابطي زيادة كبيرة، وأعاد بناء أبواب الجامع، كما وضعت القباب الصغيرة المزخرفة في سقف رواق المحراب. ثم كان عهد بني مرين وأقام الأمير يعقوب يوسف بن عبد الحق المريني بتبييض المئذنة وكسوتها بالجص والقاشاني وتدعيم وصلات أحجارها وصقلها حتى أصبحت كالمرآة.


أهداف الجامعة

كان الهدف الديني هو الهدف الرئيسي من الدراسة بجامع القرويين عند إنشائه، ولكن مع اتساع العمران بالمغرب وكثرة الوافدين إليها، تطورت الدراسة وتحول الجامع إلى جامعة وشملت علوما أخرى تهدف إلى أغراض سياسية واقتصادية واجتماعية، فكانت هناك دراسة الفلسفة والطب والصيدلة والطبيعة والفلك والهندسة. كما حظيت الموسيقى باهتمام علماء القرويين، فاحتلت مركزا بين موادها، وكانت يتم تناولها من قبل علماء مشهورين كتناولهم لعلوم النحو والأدب.


طلبة القرويين

تميزت جامعة القرويين منذ نشأتها بشروط وضعتها لالتحاق الطلبة بها، فكان يجب على الطالب أن ينهي دراسته بأحد الكتاتيب حتى يلم بمبادئ الدين وقواعد اللغة العربية، ثم يستظهر القرآن الكريم ويتعلم مبادئ العلوم العامة حتى يتمكن من الالتحاق بالجامعة. وكان الطلاب يسكنون في مبان ملحقة بجامع القرويين، وكل مبنى من هذه المب اني يتسع لعدد من الطلبة يتراوح ما بين ستين ومائة وخمسين طالبا، ويزود الطالب يوميا بوجبة من الخبز وبمياه الشرب، ويشاركه في غرفته طالب أو أكثر من زملائه.
وكان من تقاليد الجامعة عادة تنصيب سلطان للطلبة ربيع كل عام، فيمتطي فيه الجواد الأميري وترفع فوق رأسه مظلة السلاطين، ويأمر بتأليف حكومة له من بين زملائه، ويزوره عاهل البلاد في يوم مشهود من أيام سلطنته التي تدوم زهاء الأسبوع. وفي خلال أسبوع هذه السلطنة ينصرف الطلاب إلى المرح واللهو، ويعيشون حياة بعيدة عن الجامعة، فيها متعة النفس وصفاء الحديث، وكان يشاركهم في هذا أحيانا أساتذتهم من الجامعة.
كما كان هنالك احتفالات جامعية يساهم فيها جميع الطلبة الفاسيون وغيرهم على السوء فإذا ختم أحد الأساتذة شرح مختصر خليل كان الطلبة يرفعونه على أكتافهم ويحملونه بانتصار إلى القاعة الكبرى حيث يهنئه الناس.


أساتذة القرويين

عرفت جامعة القرويين حلقات العلم منذ أيامها الأولى، حيث كان يتحلق الطلاب حول العلماء والفقهاء يتلقون منهم ما يملون عليهم. ومنذ عام 651هـ / 1253 م. أخذت الجامعة بنظام الكراسي العلمية، فأنشأ أول كرسي للأستاذية لدروس التفسير، ثم توالى إنشاء الكراسي العلمية منذ ذلك الوقت، وخصص كل منها لمادة من مواد الدراسة، فكان هناك كرسي للفقه وآخر للحديث وثالث للنحو. وقد بلغ عدد الكراسي العلمية مع بداية القرن العاشر الهجري ثمانية عشر كرسيا. ومن العلماء المشهورين في عصرهم ممن شغلوا هذه الكراسي كان المقري، وابن الفحام، وابن الصفار، والتلمساني، وابن الإمام وغيرهم. وكانت هذه الكراسي لا يحصل عليها من العلماء إلا من نال شهادة العديد من العلماء وإبلاغ السلطان به وموافقته عليه ، ومنذئذ يصبح صاحب الكرسي من جملة الهيئة التعليمية للجامعة التي كانت منقسمة إلى خمس طبقات ترتيبية،وللانتقال من إحداهما إلى الأخرى كانت الطريقة هي ذاتها المتبعة للإحراز على منصب أستاذ رسمي.
وقد تميز أساتذة القرويين بلباس خاص بهم، يعتمد على الكساء وعلى البرنس. وكانت ملابسهم من اللون الأبيض. وفي عهد المرابطين والموحدين، خص علماء القرويين بالعطايا، أما في عهد بني مرين ومن أتى من بعدهم من الوطاسيين والسعديين فقد خص العلماء بالمرتبات الكبيرة المنتظمة، وأغدقت عليهم العطايا في مختلف المناسبات، كما أوقفت الأوقاف والأحباس لتغطية مصارف المؤذنين والأئمة والخطباء والطلبة. ورغم أن الأجور قد أثارت جدلا بين الفقهاء في ذلك الوقت باعتبار أن هذا لا يليق برجال العلم، إلا أن ذلك الجدل ما لبث أن وجد تبريرا بأن أموال الأوقاف تضمن الاستقرار للعلماء بعيدا عن التقلبات السياسية التي يمكن أن تمر بها البلاد.
وبمرور الوقت أصبحت الأجور التي يحصل عليها علماء فاس زهيدة جدا ذلك لأنها حددت منذ عهد طويل ولم تتغير رغم الانخفاض المتتالى للعملة،وكانت تترواح بين (15) أوقية و (200) مثقال للشهر، بالإضافة إلى ما كان يقدم لهم كل سنة من هدايا عينية ككسوة كاملة بمناسبة عيد كبير، وكمية متفاوتة من القمح حسب الطبقة التي ينتمي إليها الأستاذ.
وأخيرا كان الأساتذة يسكنون في عقارات حبسية أو إن لم تكن دار شاغرة كانوا يتقاضون تعويضا عن السكن، وبذلك كان أساتذة القرويين يرون أن حياتهم المادية مضمونة تقريبا بمجرد ما يصبحون أساتذة كرسي، كما أن العديد منهم كانوا ينتمون إلى الطبقة الفاسية الميسورة، ويملكون عقارات في المدينة، وكانت الفوائد المنوطة بوظيفتهم تعطى لهم مدى الحياة، لأن مبدأ التقاعد لم يكن معروفا، فكان الأساتذة الطاعنون في السن الذين لم يعودوا يستطعون القيام بالتدريس يستقرون في منزلهم محتفظين براتبهم.


نظام الجامعة

بدأ التعليم في جامعة القرويين منظما، إذ لم يكن يسمح لأي طالب بالالتحاق بالجامعة إلا بعد أن يجتاز شروطا معينة تبين اجتيازه لمراحل التعليم الأولى في الكتاتيب. ولكن لم يكن هناك تقيد بسن محددة لالتحاق الطلاب بالجامعة. كما لم تكن هناك مدة دراسة محددة بسنوات معينة، وإنما تخضع لاستعداد الطالب ومقدرته ورغبته في التعمق والدراسة. أما إذا أراد الطالب الانتقال إلى مستوى أعلى فكان عليه أن يجتاز امتحانا ليتأكد من مقدرته في الاستيعاب. أما عن المناهج الدراسية فكانت حرة وتترك إلى اختيار الأساتذة. وظل الحال كذلك حتى عام1203هـ / 1789 م. عندما فكر السلطان محمد الثالث في سن نظام دراسي معين للجامعة فأصدر مرسوما يطلب فيه من شيخ القرويين تحديد مواد الدراسة والكتب التي يجب أن تدرس.
أما عن الهيكل الإداري للجامعة فقد كانت رئاسة الجامعة تسند إلى قاضي مدينة فاس الذي يمنح الأساتذة الكراسي العلمية بعد الرجوع للسلطان ويراقب ناظر الأوقاف ويصدق على الميزانية، وإليه يرجع الرأي الأخير في الإصلاحات التي تدخل على مباني المسجد وتسمية الأئمة والخطباء والمدرسين ورجال الحسبة. ويلي هذه الوظيفة وظيفة القيم، وهي تقابل وظيفة رئيس القسم اليوم، فكان هناك قيم على كتب الفنون، وقيم على كتب التفسير، أو الأدب وغير ذلك.
ولقد عرفت جامعة القرويين ابتداء من عهد بني مرين عددا من التقاليد فكان هناك نظام العطلة الدراسية الأسبوعية يومي الخميس والجمعة، ثم العطلة السنوية وكانت القرويين تعطل أربعين يوما في الصيف "السمائم"، هذا بجانب شهر رمضان ويوم عاشوراء وأسبوع عيد الفطر وعيد الأضحى، ويوم المولد النبوي الشريف الذي يجرى له احتفال كبير بالجامعة. ومن هذه التقاليد أيضا يوم الختمة وهو اليوم الذي يختتم فيه الشيخ المادة أو الكتاب الذي بدأ فيه منذ زمان.



مكتبة جامعة القرويين


تميزت جامعة القرويين بمكتبتها التي أنشئت مع بداية الجامعة. فوجه أمراء المرابطين والموحدين عنايتهم لتزويد المكتبة بالكثير من الكتب، ولم يكتمل عهد بني مرين حتى كانت مكتبة القرويين تضم العدد الوافر من المصاحف من مختلف الأحجام والأشكال ما بين مكتوب على رق الغزال، ومكتوب على الكاغد الشاطبي القديم.
وكانت هذه المكتبة غنية جدا بالكتب وقد تردت شيئا فشيئا إلى حالة مؤلمة من التلف والإهمال إذ كانت الكتب مكدسة بعضها فوق بعض بغير نظام معرضة بسهولة للأرضة، ونظرا لانعدام أى فهرس أو سجل للاستعارة فإن الكثير من المستعيرين غفلوا عن رد ما استعاره من الكتب، بحيث كان يقدر في بداية القرن العشرين عدد الكتب بحوالي (2000) منها (1600) مخطوط معظمها ضئيل القيمة، ونظرا لاختفاء عدد كبير من الكتب فقد منعت الاستعارة وأصبح على الطلبة أن يطالعوا الكتب داخل المكتبة.
ومع ذلك فقد حوت المكتبة كتبا في مختلف الفنون والعلوم. كما كانت هناك ثلاث وثلاثون مكتبة فرعية، تزخر بالعديد من الكتب يرجع إليها المدرسون والطلاب في البحث والدراسة.


الإجازات العلمية

كان الأسلوب المتبع للتخرج في جامعة القرويين منذ نشأتها أن كل طالب تلقى العلم زمنا طويلا، وآنس في نفسه القدرة على التصدر للعلم أن يعلن ذلك بين زملائه وشيوخه، فتعقد له حلقة من العلماء، ويجلس الطالب في صدرها، ويعرض لجدل العلماء ومناقشتهم، فيحصل بمو جبها على إجازة تجيز له رواية الحديث أو تدريس كتاب أو الإفتاء من شيخه الذي تلقى عليه العلم. لقد ظل نظام الإجازة هذا معمولا به بالقرويين حتى أوائل القرن الرابع عشر الهجري، حيث استبدل بنظام الامتحانات الحالية.
وكانت الجامعة تعتمد في دراستها في فتراتها الأولى على مؤلفات علماء المشرق، حتى بدأ علماء المغرب يعتمدون إلى حد كبير على مؤلفاتهم العلمية. وقد تميز عهد الموحدين بظهور كتب تناولت مختلف العلوم والفنون. فدرست من مؤلفات المغاربة في تفسير القرآن لعبد الجليل المقري، وفي التصوف بستان العابدين، وفي الجغرافيا نزهة المشتاق وفي الرياضيات جامع المبادئ والغايات في علم الميقات لأبي الحسن المراكشي.
وفي السنوات الأولى من القرن العشرين كانت تدرس في جامعة القرويين مواد عدة منها الحديث وكان يدرس كل يوم في شهر رجب وشعبان ورمضان، وكانت الكتب التي تدرس هي صحيح البخاري ومسلم وموطأ مالك وشمائل الترمذي، وأصول الفقه وكانت هذه المادة تدرس في العشي وكانت تعتبر مادة ثانوية، ومادة الفقه وكانت تدرس في الصباح وكانت أهم الكتب التي تدرس مختصر الشيخ خليل ورسالة ابن أبي زيد القيرواني والمرشد المعين لابن عاشر وتحفة ابن عاصم، وكذلك النحو وكان يلقن في المساء، وكان يدرس من الآجرومية لابن آجروم والألفية لابن مالك، وكذلك مواد البيان والمنطق والحساب والتوحيد والقضاء والأحكام والأدب، وكان يدرس بها أيضا علوم أخرى لكنها اضمحلت شيئا فشيئا منها التفسير والتنجيم والتصوف والتصريف واللغة.
http://rowad.al-islam.com/rowad/?
                           ac...ng=ar&from=tree




الاثنين، فبراير 14، 2011

زنجبار.. تاريخ عربي يستصرخ المسلمين






من البلاد التي أصبحت منسية في ذاكرة المسلمين اليوم ، تأتي دولة زنجبار ، والتي لا تزال تدافع عن اسمها العربي ، والوجود الإسلامي بها ، رغم حملات التنصير ، وما يتعرض له سكانها من فقر واستشراق بشكل كبير، حتى أضحت تستصرخ العرب والمسلمين.
وإذا هذه الديار الواقعة في شرق أفريقيا ، قد أصبحت اليوم تتخذ البعد الأفريقي ، فان حضورها العربي ، لا يزال حاضرا ، وهويتها الإسلامية ، لا تزال باقية ، حيث يعتبر جل سكانها من المسلمين بنسبة تصل إلى 90 % . وعلى الرغم من ذلك ، فإنها تبدو ونتيجة للتحديات السابقة وكأن سكانها من المسلمين هم الأقلية، وما عداهم هم الأغلبية!

هذه البلاد ، ونتيجة للفقر المدقع الذي يعانيه سكانها المسلمون، ويكاد ينخر في أجسادهم ، أصبح أحد العوامل الرئيسة لتغيير الدين، بل والحرب عليه ، بفعل حملات التنصير التي تشهدها البلاد، والتي تتخذ مع تنزانيا حكما فيدراليا، تتمتع فيه الأخيرة ، بكل مقدرات الأولى، فضلا عن استحواذها على النصيب الأكبر من المقاعد السيادية في الحكومة الائتلافية.

وعلى هذا النحو ، يعيش سكان زنجبار من المسلمين في هذه البلاد التي دخلها الإسلام منذ القرن الأول الهجري، وحكمها العرب العمانيون قرابة ألف عام، إلى أن كانت المجزرة ، التي وقعت في العام 1965 ، وكانت بمثابة إسقاط للحكم العربي بها ، ومحو الوجود العماني ، الذي كان يتمتع بسدة الحكم، حتى كانت هذه الحرب على اللون والهوية والديانة ، فراح ضحية هذه المجزرة قرابة 10 آلاف من المسلمين .
وعلى الرغم من هذه الثورة الدموية بأرض الإسلام ، إلا أن ما لاحظه موقع "المسلم" في زيارته لهذه البلاد ، أنه على الرغم من كل هذه الدماء التي وقعت على أرض الإسلام بزبجبار ، فان الوجود الإسلامي لا يزال حاضرا ، والسمت العربي قائما ، وإن نازعه التنصير ، وإن طارده الاستشراق ، وإن قاومته روح التخلف والجهالة ، بعد انتشار مذاهب كثيرة, منها يخالف أهل السنة والجماعة.

هذه البلاد يعتبرها المؤرخون البوابة الشرقية لأفريقيا، في الوقت الذي يطلق عليها السائحون بستان أفريقيا الشرقية، من جمال طبيعتها، وتمتعها بجزر طبيعية أخاذة ، تبهر العقول، وتلفت إليها الأنظار.
لذلك كانت حمم التنصير تنهمر عليها ، وبراكين الاستشراق تنهل منها ، للدرجة التي جعلت كثير من الدارسين الأجانب يتخذون من البلاد موطن إقامة لهم ، يدرسون بها ، ويعكفون فيها على دراسة تأريخ هذه البلاد ، وطبيعتها الخلابة، في الوقت الذي كان يرافق ذلك التنصير ، وأدواته الفتاكة.
ونتيجة للفقر الذي يعانيه أهل هذا البلاد ، وغياب الوعي الديني – إلا من قليل منهم- فكثيرا ما استخدم التنصير معاوله ضد المسلمين، تارة للتلويح بالمال ، فيدفع المسلمات إلى بيع أنفسهن جراء مبالغ زهيدة ، وتارة أخرى يدفع بأدوات استشراقية، مستغلا الفهم المحدود عن الإسلام ، وغياب الوعي لدى أبناء البلاد.

التنصير والاستشراق
هذه الحركات التنصيرية لم تكن وليدة العقد الأخير وفقط، بل مهدت لها الثورة الدموية ، التي وقعت في البلاد في العام 1964، كمحاولة لإسقاط الحكم العربي بها، حتى بدأت مخالب الاستشراق تتوغل في أوصال العقل المسلم ، والفقر يسري في أجساد السكان العرب.
وكان من نتيجة ذلك أن تمت السيطرة على ثروات البلاد ، وترافق مع ذلك كله محاولات لنشر اللغة الإنجليزية في الخفاء – على الرغم من كونها ليست اللغة الأصلية للسكان لتحدثهم بالسواحيلية- وتدريسها لأبناء العرب والمسلمين وتشجيع الطلاب على الحديث بها ، ما جعل جيل العرب يصفون هذه الفترة وتداعياتها إلى اليوم بأنها حقبة استعمارية ، استهدفت محو هويتهم ، ومسخ تأريخهم.
ولذلك فان محاولات محو الهوية العربية والإسلامية تسير على نطاق واسع في هذه البلاد، للدرجة التي جعلت البعض من الأفارقة بها ينفر من العرب والمسلمين، فضلا عما يساندهم من محاولات تطهير عرقي تتبعها حكومة تنزانيا ، وهو ما كان نتيجته أن خلت الحكومة القائمة من أي تمثيل عربي، في الوقت الذي تمتعت فيه جميع الأعراق في البلاد بهذا التمثيل .

وكان من التداعيات أيضا مسخ الهوية ، ومحو التأريخ العربي والإسلامي في زنجبار ، حيث تم إطلاق اسم "زنزبار" على البلاد، بعدما كانت معروفة لأهلها وغيرهم باسم زنجبار.
ولذلك، فانه ما لم يتحرك العالم العربي والإسلامي ومنظماته المختلفة لنصرة سكان هذه البلاد من المسلمين والعرب ، فان هذه البلاد – التي امتد الحكم العربي والإسلامي فيها من الصومال إلى موزمبيق- ستظل مهددة في وجودها ، بعدما نجح أذناب الاستعمار في تسييد اللغة السواحيلية ، ومحاولات نشر الانجليزية، مقابل تهديد تأريخ اللغة العربية الطويل الممتد لظهور الإسلام.

دور الاستعمار
وبخلفية تاريخية ، فانه على الرغم من جذور الحكم العربي بهذه البلاد – حيث كان الحكم العماني نقطة ارتكازه- فان الخلافات التي كثيرا ما كانت تدب بين القبائل العمانية ، والتي وصلت إلى حد الاقتتال من أجل الحكم، أن أذناب الاستعمار من الأفارقة استغلوا هذه الخلافات ، وأقاموا ثورتهم العنصرية ضد الحكم العربي، ونجحوا في إسقاطه .
والواقع ، فانه بعد انهيار الحكم البرتغالي لساحل شرق أفريقيا دانت زنجبار للحكم العماني ، وتعاقب على حكمها أحد عشر سلطانا عمانيا من أسرة البوسعيدي، كان أهمهم السلطان سعيد الأكبر، الذي أدخل زراعة القرنفل للجزيرة في أوائل العام 1800، ما أدى إلى ازدهار الحالة الاقتصادية في البلاد.

وفي العام 1875، عقد السلطان برقاش معاهدة مع انجلترا ، بموجبها أصبحت البلاد محمية بريطانية، دون انقطاع للسيادة العربية – وتحديدا العمانية- حتى حصلت البلاد على استقلالها الرسمي في 10 ديسمبر 1963.
وعلى الرغم من ذلك ، حرصت بريطانيا على تزكية الخلاف بين حكام البلاد ، حتى اندلعت الثورة ضدهم من الأفارقة في يناير 1964 ، واستمرت ما تم إطلاق عليه "ثورة" أربعة أيام ، كان يتم خلالها تصفية أي شخص عربي او مسلم ، حتى تم الاستيلاء على مزارع وممتلكات العرب والهنود المسلمين في البلاد.
ووقتها تم إعلان زنجبار جمهورية برئاسة "عبيد كرومي"، واعترف بها غداة هذا التحول عدة دول ، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، إلى أن أعلنت الاتحاد مع تنزانيا تاليا ، ليتم تشكيل حكومة كونفيدرالية .
وعلى الرغم من الطغمة الحاكمة التي سعت إلى إغراق أمهات الكتب العربية في المياه ، إلا أنها لم تنجح في محو تأريخ البلاد ، الذي سيظل مسجلا بأحرف من نور ، ليؤكد أن الإسلام مر بهذه البلاد ، وأن جل سكانها لا يزالون يدينون به ، على الرغم من كافة المحاولات المبذولة ، للنيل من عقيدتهم وتاريخهم ولغتهم وهويتهم.

ولذلك يصرخ سكان بلاد زنجبار متمنين على العرب والمسلمين أن يهبوا لنصرتهم . مذكرين إياهم بأنه إذا كانت فلسطين والعراق واقعتين تحت احتلال مباشر، فان زنجبار ، تئن من احتلال آخر، ولكنه غير مباشر.


تراث العمارة الإسلامية.. من الصين إلى إسبانيا






صدر عن مجلة دبي الثقافية كتاب تراث العمارة الإسلامية من الصين إلى إسبانيا. والكتاب يقدم رؤية متكاملة لرحلة العمارة الإسلامية منذ عصورها المبكرة في المدينة المنورة, حين تشكلت في عهد الرسول ملامح المدينة العمرانية والمعمارية, بدءاً من عمارة مسجده ومسكنه والسوق ومصلى العيد إلى التحصين الحربي للمدينة. قسَّم خالد عزب كتابه إلى ثلاثة فصول, كل واحد منها يمثل محطة من محطات رحلة العمارة الإسلامية من القرن السابع الميلادي حتى القرن العشرين.

في الفصل الأول يعكس المؤلف تحت عنوان مدخل إلى تراث العمارة الإسلامية، جانباً مهملاً في دراسة تراث العمارة الإسلامية، وهو القواعد المنظمة لحركة التخطيط العمراني للمدن الإسلامية.
ويخلص إلى أن
هذه القواعد هي نتيجة لاحتكاك المعماريين بالتقاليد الموروثة وأحكام الدين الإسلامي وكذلك الخبرات المعمارية واحتياجات المجتمع, تشكلت فيما بعد بما أسماه "فقه العمارة الإسلامية"، و اعتبر المؤلف أن دراسة العمارة الإسلامية على يد المستشرقين جاءت ناقصة لعدم درايتهم بهذه القواعد، وورث ذلك علماء الآثار من العرب, نظراً لأن اكتشاف هذه القواعد لا يتم إلا من خلال التبحر في علم أصول الفقه, ومخطوطات فقه العمارة, ودراسة طرز العمارة الإسلامية. عرض المؤلف لبعض القواعد الحاكمة للعمارة مثل: حق الجوار، حق الهواء، ولم يكتف بذلك, بل كشف أن العمارة وقوانينها لها أبعاد اجتماعية أيضاً.

 وأكد أن الحديث عن هذا الفصل يطول ويتشعب، إلا أننا نتوقف أيضاً عند عناصر رئيسية هي: المسجد الجامع، والمدارس, والبيمارستانات, والحمامات, والقلاع والأسوار. فالمضمون في تصميم المسجد هو تهيئة الفراغ المعماري الذي يساعد المسلم على الخشوع والرهبة وهو واقف بين يدي الله سبحانه وتعالى؛ لاحظ المؤلف مكانة المسجد الجامع بالمدينة الإسلامية على مر العصور، فقد كانت له في صدر الإسلام المكانة الأولى التي تبلور حولها التكوين الطبيعي للمدينة, ومع مرور الوقت بدأت الشخصية الفردية للحاكم تظهر بالتدريج, فظهر اهتمامه برفاهيته وحاشيته وجنده. فارتبط المسجد بعد ذلك بقصر الحاكم ودواوينه, وبعد ذلك انفصل المسجد عن قصر الحاكم, وعرج المؤلف إلى الحديث عن المضمون في تصميم المسكن الإسلامي من خلال دراسة عمارة منازل بغداد وصنعاء والقاهرة ورشيد وغرناطة والإمارات.

وفي عرضه للمؤسسات الخدمية نراه يبدأها بالمؤسسات التعليمية، كالكتاتيب التي كان يدرس فيها القرآن الكريم واللغة العربية, والحساب منتقلاً منها إلى المدارس التي ركز فيها على نموذج المدرسة المستنصرية في بغداد، ثم عرض للبيمارستانات وهي المستشفيات التي شيدت لتقديم خدمات طبية للمرضى, واستخدم بعضها لتدريس الطب كالبيمارستان المنصوري في القاهرة والنوري في دمشق. كما تعرض للحمامات في العمارة الإسلامية، حيث تشابهت أشكال الحمامات العامة في العالم الإسلامي, ولم تختلف إلا في تفاصيل الوحدات المعمارية, كما تعرض للأسبلة وهي منشآت كانت تستخدم لتخزين المياه لعابري السبيل. أما الجديد الذي قدمه هذا الكتاب لأول مرة فهو منشآت الرفق بالحيوان, فقد حرص المعماريون المسلمون على ابتكار منشآت لتقديم الماء للحيوانات التي يستخدمها الإنسان في حياته, ويشبهها المؤلف اليوم بالمحطات التي تزود السيارات بالوقود, وقد انتشرت أحواض سقي الدواب في المدن وعلى طرق التجارة الرئيسية.
لم يفت المؤلف أن يكشف عن المنشآت الصناعية في العمارة الإسلامية, وركز في هذا الفصل على طواحين الغلال التي تدار بطرق عدة منها الدواب والمياه والهواء.

ولم يفت المؤلف أيضاً تخصيص قسم للاستحكامات الحربية راصداً تطورها وأنواعها وأثر الحروب الصليبية على تطور عمارتها, كما عكس أثر المدفعية عليها. أما الفصل الثاني من الكتاب فيمكن أن نعده رحلة سياحية منتقاة بعناية شديدة تكفل للقارئ أخذ فكرة متكاملة ومتنوعة لتراث العمارة الإسلامية. فبدأها بتفصيل لعمارة المدينة المنورة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم  فتحدث عن عمارة المسجد النبوي وعمارة المساكن والأسواق وتحصين المدينة المنورة.
وانتقل المؤلف بعدها ليرصد تطور عمارة مسجد عمرو بن العاص على مر العصور، والدور الذي قام به لخدمة المجتمع كمؤسسة دينية لها احترامها وتقديرها في مصر كأول مسجد جامع بعد الفتح العربي لها.
عرج المؤلف بعد ذلك لجامع القيروان الذي شيده عقبة بن نافع سنة 50 هجرية، وكان هذا المسجد العريق في أول الأمر مساحة مسورة بسور سميك من اللبن على هيئة حصن, هدم حسان بن النعمان الغساني الجامع ما عدا محرابه وشيد مسجداً جديداً بين عامي 693 و697 ميلادية، وظل المسجد موضع عناية القيروان حتى عصرنا.

ويرحل بنا المؤلف إلى أعظم منشأة معمارية في اسطنبول، وهي مجمع السليمانية في اسطنبول الذي شيده للسلطان سليمان القانوني المعماري سنان باشا أعظم المعماريين العثمانيين، يعد المجمع مؤسسة متكاملة، فهو يضم بالإضافة إلى المسجد مكتبة وجامعة بها سبع مدارس تسمى المدارس السليمانية, منها خمس بمستوى الثانوية، وواحدة منها كلية، والأخرى للاختصاص،ومدرسة للطب. وألحق بالمجمع عمارة خانة لتقديم الطعام للفقراء وطلاب العلم مجاناً، ثم ألحق بالمجمع مدرسة للحديث وحماماً.
 ولم يترك المؤلف أيضاً مساجد الصين دون أن يتعرض لها بدراسة تفصيلية، فبيَّن أن هذه المساجد تأثرت بروح العمارة الإسلامية وبالتقاليد المعمارية الصينية، ومنها مسجد هوايتشنغ في مدينة جوانغشو، ومسجد تشيغينغ, ومسجد نيوجيه في بكين.
____________
العرب القطرية العدد7929

القيروان



القيروان هي أحد أهم المواقع السياحية في تونس الخضراء، هذه المدينة التاريخية تعد رابع حاضرة شيدها العرب الفاتحون بعد تأسيس الكوفة والبصرة بالعراق والفسطاط بمصر، وقد اختار لها والي إفريقية وفاتحها الشهير (عقبة بن نافع الفهري) موقعاً يبتعد عن شاطئ البحر الأبيض المتوسط بقدر ما يقترب من الصحراء، حتى يكون وجيشه بمأمن من خطر هجمات الأسطول البيزنطي على شواطئ شمال إفريقيا، في وقت لم يكن فيه لدى المسلمين من السفن الحربية ما يكفى لدفع هذه الهجمات.
ومن المعروف أن عقبة أقدم على تأسيس القيروان لتكون قاعدة ينطلق منها الفاتحون لتمهيد سلطانهم في بلاد المغرب التي دأب أهلها على خلع الطاعة للمسلمين بين الحين والآخر حتى بداية العقد الأخير من القرن الهجري الأول.
وكما هو الدأب عند تشييد الأمصار الإسلامية الأولى، فقد جعل عقبة بن نافع مسجداً للقيروان بوسطها، واستغرق تشييده خمس سنوات كاملة انتهت في عام 55 هـ/ 675م، وذلك لانشغال المسلمين بفتوحاتهم لمعاقل البربر التي استشهد في إحدى معاركها عقبة بن نافع نفسه، وذلك في عام 57 هـ/ 677م.

ويبدو أن المسجد عند تشييده كان مكوناً من مظلة للصلاة مسقوفة بعريش يقوم على جذوع النخل اقتداء بالمسجد النبوي آنذاك، ويتقدم المظلة صحن مكشوف بنفس حجمها، وقد حرص الولاة الذين خلفوا عقبة وتقاطروا على تنفيذ أعمال التجديد والإضافة بهذا الجامع، على الاحتفاظ بهيئته الأولى تلك. فقد جدد فيه الوالي الأموي حسان بن النعمان الغساني و قام بشر بن صفوان الكلبي عامل الخليفة هشام بن عبدالملك بتجديدات واسعة بالمسجد، لعل أكثرها أهمية تلك المئذنة الرائعة التي شيدها عند وسط الحائط الشمالي للمسجد، ثم جاء من بعده الوالي العباسي يزيد بن حاتم المهلبي ليقوم بهدم الجامع عدا المحراب والمئذنة ويعيد تشييده على الهيئة التي نراها اليوم تقريباً.
وما لبث زيادة الله بن الأغلب أن أعاد الكرة ذاتها ،عندما عني بإعادة بناء جامع القيروان وتوسيع مظلاته ليتناسب وموقع القيروان الجديد كعاصمة للدولة الأغلبية التي أصبحت تهيمن على إفريقية.

وفي هذه الأعمال المعمارية وضعت الحدود النهائية لجامع القيروان، فصار عبارة عن صحن مكشوف تحيط به أربع مظلات للصلاة، أكبرها وأعمقها مظلة القبلة التي كانت تضم وقتذاك 17 بلاطة، وتحمل عقودها 414 عموداً رخامياً.
وجاء استيلاء الفاطميين على القيروان قبيل نهاية القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي، ليصيب المدينة وجامعها الشهير بشيء غير قليل من الإهمال، إذ تخوف الفاطميون من غضبة أهلها من المالكية ولجؤوا إلى إنشاء حواضر جديدة لهم كالمهدية والمنصورية، وهو ما أثر بالسلب على عمران القيروان، ولكن بعد انفصال العز بن باديس عن الفاطميين وعودته إلى المذهب المالكي، قام هذا الأمير بإجراء تجديدات مهمة في جامع القيروان، ومن أبرزها المقصورة التي ألحقها به في عام (375هـ/ 985م).
وبعد الغزوات الهلالية المدمرة التي وجهتها الدولة الفاطمية انتقاماً من انفصال ابن باديس، اهتمت الدولة الحفصية بأمر تجديد جامع القيروان بأكمله.
ويحتفظ الجامع اليوم بمقاييسه الأولى التي كان عليها أيام إبراهيم الأغلبي الثاني، حيث يبلغ طول جدار القبلة 72 متراً وعمق مظلة القبلة 36 متراً، وتنقسم مظلة القبلة إلى سبعة أروقة موازية لجدار القبلة، أما البلاطات أو عقود الأروقة التي تتعامد على جدار القبلة فيبلغ عددها 17بلاطة، يفصل بينها 16 بائكة مؤلفة من عقود محمولة على أعمدة من الرخام.
ولجدران المسجد من الخارج أكتاف ساندة، وبها ثمانية أبواب موزعة بالتساوي بين الضلعين الشرقي والغربي، ويعلو أحدها قبة وهو المعروف باسم (باب لله رجانا).

والحقيقة أن الجامع كله يكاد من الخارج أن يكون حصناً حربياً، فالجدران عالية سميكة مشدودة بدعامات ساندة، وتبدو المئذنة أو كما يعرفها أهل المغرب بالصومعة، أشبه ما تكون ببرج حربي حقيقي يتوسط الجدار الشمالي، ليطل بعلياء وشمم على ساحل البحر الأبيض وإن عن بعد.
وتعتبر مئذنة جامع القيروان التي أمر بتشييدها (بشر بن صفوان)أقدم مثال باق على حالته من المآذن الإسلامية الأولى، ومن المرجح أن المآذن الإسلامية القديمة كانت على ذات النسق الذي نراه في مئذنة القيروان.
وتتألف صومعة جامع القيروان من ثلاثة طوابق، أطولها الطابق الأول ذو المسقط المربع الأبعاد، ويدخل إلى هذا الطابق عبر باب له عقد على هيئة حدوة الفرس، وينفذ الضوء إلى داخل هذه القاعدة من نوافذ فوق الباب لها نفس طراز عقد المدخل، وبداخل هذا الطابق سلالم حجرية ضخمة تدور مع الجدران.
وثمة رأي "آثاري" يرى في صومعة جامع القيروان مزيجاً في تصميمها بين الأبراج الحربية القديمة التي عرفت ببلاد الشام قبل الإسلام، ثم حولت عند بدء تشييد الجامع الأموي بدمشق على أنقاض معبد وثني قديم إلى مآذن، وبين المنارات التي زودت بها المساجد الجامعة الأولى.

ومهما يكن من أمر، يبقى جامع القيروان الأقدم بين مساجد المغرب الإسلامي، وصاحب أقدم محراب باق إلى الآن وهو محراب عقبة بن نافع، بعد إماطة اللثام الحجري الأغلبي عنه، وكذلك أقدم مئذنة إسلامية وهي صومعة بشر بن صفوان.
وقد أولت الحكومة التونسية في السنوات الأخيرة عناية كبيرة بجامع القيروان المعروف بالجامع الأعظم، وإلى جانب أعمال الترميم والصيانة الدورية، تم تنفيذ مشروع كبير لإضاءة الجامع الذي بات من أهم المعالم السياحية التي يحرص زوار تونس على مشاهدتها.
ومن المعروف أن القيروان تستقطب كمدينة تاريخية عريقة زوارا من كل حدب وصوب، وكان عقبة قد شيدها في هذا الموقع بناء على توجيهات الخليفة عمر بن الخطاب، التي روعيت بدقة في إنشاء كل الأمصار الأولى، وأهمها أن تكون المدينة على اتصال بري مباشر بالمدينة المنورة لا يفصلها عنها بحر أو مجرى نهر.
وبالإضافة إلى بعد القيروان عن البحر، راعى عقبة عند اختيار موقعها وجود مستنقع ماء يفصلها عن البربر، فقال لجنوده: قربوها من السبخة، فإن أكثر دوابكم من الإبل، تكون إبلكم على بابها في مراعيها آمنة من البربر..

وقد اشتهرت القيروان بخزانها العجيب للمياه (الماجل) الذي بناه أحمد بن الأغلب -باب تونس من القيروان- وهو مستدير متناه في الكبر، وفي وسطه صومعة مثمنة وفي أعلاها قبة مفتوحة على أربعة أبواب، فإذا وقف الرامي على ضفته ورمى بأشد ما يكون من القسي، لا يدرك الصومعة التي في وسطه.
وكانت المياه تدخل إلى هذا الخزان (الماجل) أثناء فصل الشتاء ليشرب منها أهل القيروان ودوابهم طوال العام، وقد توج أحمد بن الأغلب بهذا الماجل الضخم ما كان قد شيد قبله من خزانات منذ أيام الخليفة الأموي هشام بن عبدالملك وعددها خمسة عشر ماجلاً، أشرف على بناء أغلبها صفوان بن بشر.

ومن القيروان انطلقت الفتوحات الإسلامية باتجاه الغرب حتى وصلت إلى ذروتها بفتح الأندلس على يد موسى بن نصير، رابع ولاة إفريقية بعد عقبة بن نافع الذي استشهد في موقعة تهوده، وزهير بن قيس البلوي وحسان بن النعمان، وجميعهم اتخذ من القيروان حاضرة لإفريقية. ومن نافلة القول أن جامع القيروان قد ترك بصمته على تصميمات الجوامع كلها في المغرب والأندلس ولاسيَّما من جهة القباب التي تعلو المحراب أو المداخل، وقبل ذلك وبعده من ناحية اقتباس تصميم صومعة القيروان في كل الصوامع الشاخصة اليوم في مدن تاريخية كتلمسان ومراكش وفاس وإشبيلية وقرطبة.
__________
العرب القطرية 19/10/2010م بـ"تصرف"