‏إظهار الرسائل ذات التسميات شخصيات إسلامية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شخصيات إسلامية. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، يونيو 10، 2011

 
 
الزهراوى هو أول من عالج تشوهات الفكين وتقويم الأسنان وهو أول من استخدم جسور الأسنان الذهبية والفضية وأدوات ضغط الأسنان وهو أول من وصف طريقة تفتيت حصيات مجرى البول ابتكر طريقةاستخراج حصى المثانة عبر المهبل فى النساء وهو مبتكر 200 اداة جراحية وهو من أوائل من كتب عن مرض السرطان واستئصاله وهو أول من توصل لعملية وقف نزف الشرايين والقائمة والله تطول !
 
'''''''''''''''''''''''''''''''''
المصدر

الخميس، يونيو 09، 2011

المنصور بن عامر المنتصر دائمًا




سيظل تاريخ الأندلس معينًا لا ينضب وواديًا لا يجدب من كثرة ما فيه من الدروس والعبر والأخبار الطوال ودولة الإسلام في الأندلس لهي أطول دول الإسلام مدة فقد استمرت طيلة ثمانية قرون خلالها برز العديد من الرجال والأبطال والقادة الذين كانوا وقتها ملء السمع والبصر وظلت أخبارهم تتردد في جنبات الأندلس لعصور متعاقبة ولكنهم وللأسف طوت أخبارهم وإنجازاتهم غير المسبوقة في خدمة الإسلام من ذاكرة المسلمين الآن ووجب علينا أن ننفض عنها الغبار عن تاريخ وأخبارهم المسلمون الآن.



تمثال المنصور في الجزيرة الخضراء/اسبانيا - (الاندلس).



* من هو المنصور:


هو 'محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي عمار المعافري' جده من الداخلين الفاتحين الأوائل وكان من الأبطال الشجعان فنزلت أسرة بني عامر بالجيزة الخضراء وأسرة بني عامر من أعرق الأصول العربية، ونشأ محمد في بيت علم ودين فأبوه عبد الله كان من أهل العلم والتقي عالماً بالحديث والشريعة وتأثر محمد بذالك فطلب العلم من صغره وأنتقل إلي قرطبة وهو حدث ودرس علي علمائها الكبار الأدب والشريعة ومنهم أبو علي القالي وابن القوطيه وأبو بكر بن معاوية القريشي، أما عن صفاته فقد كان ذكياً طموحاً قوي العزم متعدد المواهب سخي اليد كريم النفس ولكن أبرز ما يميزه حتى صار قدوه هائلة في هذا الباب هو همته العالية التي تناطح السحاب طولاً وتملأ الأرض عرضاً فلم يعلم من قادة المسلمين ونبلائهم من هو أشد منة همة وطموحاً إلا ما كان من رجال القرن الأول رضي الله عنهم وأرضاهم



* سلم النجاح:

* المتأمل لترقي المنصور ابن عامر في سلك القيادة والمناصب يرى عجب العجاب فالمنصور أول ما قام به وهو شاب صغير أن افتتح مكتباً بجوار قصر الخلافة لكتابة الشكاوى المرفوعة للخليفة الأموي وذلك للإنفاق على تعليمه بقرطبة وهذا العمل الصغير مكنة من الاتصال بأهل القصر من الخدم والحراس وغيرهم والذي نقلوا أخباره إلي سادة القصر خاصة السيدة [صبح] أم ولي العهد و[هشام المؤيد] فعهدت إلية بعدة وظائف كتابية، وهذا مهد إلية السبيل لئن يتصل بالخليفة الحكم بن عبد الرحمن الذي أسند إلية مهمة الإشراف على أملاك ولي العهد [هشام] ثم إدارة الخزانة العامة ودار المواريث وغيرها من المناصب العامة لما رأى من عزمه وطموحه وتفانيه في العمل، وكان عمر المنصور وقتها لم يتجاوز السابعة والعشرين فلقب 'بفتي الدولة' وذلك بفضل مواهبه وإمكاناته الباهرة .



* ظل المنصور مضطلعاً بالمناصب الهامة والأعمال الجسيمة في الدولة وهو محط أنظار الجميع لرفيع خلاله وجميل صفاته والقلوب حوله مؤتلفة ولكنة قام بعمل كان هو الأعظم في هذه المرحلة من حياته حيث استطاع بقوة عزمه وسرعة تصرفه أن يقضي علي مؤامرة دبرت من جانب بعض الصقالبة الموالي بالتعاون مع بعض الأمويين؛ وكانت تهدف تلك المؤامرة إلى قتل الخليفة الجديد [هشام المؤيد] وتعيين عمه 'المغيرة' وذلك سنة 366هـ فحفظ بذلك دولة الخلافة من السقوط في دائرة الصراعات الداخلية التي عادة تعصف بأساس أي ملك ثابت مهما كانت قوته وثباته .




* رجل الأندلس القوى:

* ارتفعت مكانة المنصور ابن عامر في الأندلس بعد دوره الرائع في إنقاذ الخلافة من هوة الصراعات والخلافات الداخلية فقام الخليفة 'هشام المؤيد' بتعينه وزيراً للدولة الأندلسية وأصبحت مسئوليات المنصور بن أبى عامر أعظم مما سبق بكثير وهذا جعله يفكر ملياً في وضع الأندلس ويحاول خدمة دولة الإسلام بها وذلك بعد أن أتضح له عدة أمور منها:-


أولاً:- ضعف شخصية الخليفة الجديد 'هشام المؤيد' وعدم صلاحيته لهذا المنصب الخطير خاصة أنه صغير السن مشتغل باللهو واللعب مع أقرانه.

ثانياً:- زيادة الأخطار المحدقة بالمسلمين والآتية من ناحية الشمال حيث أسبانيا النصرانية خاصة بعد أن تنفسوا الصعداء بموت الخليفة القوى عبد الرحمن الناصر الذي خضد شوكتهم سنوات طويلة .

ثالثاً:- ظهور بوادر لانقسامات داخلية خطيرة في دولة الإسلام بالأندلس؛ وذلك لزيادة العصبيات القبلية وكثرة الطامعين من ولاة الأقاليم المترامية في الانعزال والاستقلال عن جسد الدولة الأم .

رابعاً:- فساد بعض رجال الحكم والوزارة أمثال 'جعفر المصحفي' وولده محمد الذي كان يتولى رئاسة الشرطة وفي عهدهما انتشر الفساد والفسق وأختل الأمن واضطربت الأمور.

خامساً:- زيادة نفوذ الصقالبة الموالي وهم في الأصل عبيد عند الخليفة 'الناصر' اشتراهم واصطفاهم في الحراسة والجند والجيش وترقوا حتى صاروا قوة كبيرة يخشى بأسها وقد زاد نفوذها داخل قصر الخلافة حتى أنهم هموا بالانقلاب علي الخليفة 'المؤيد' عدة مرات.




كل هذه الأسباب دفعت 'المنصور أبي عامر' لأن يمعن التفكير والترتيب في كيفية مواجهة كل هذه الأخطار المحدقة وفي النهاية قرر أن يتحرك وبسرعة لمواجهة هذه الظروف العسيرة وأن يأخذ زمام المبادرة بنفسه فقام بالخطوات الآتية:

[1] قام بحجز الخليفة الصوري الصبي 'هشام المؤيد' بقصره واستقل هو بتدبير الأمور وتولي لقب الحجابة- تلقب بالحاجب المنصور- وهذه الخطوة وإن كانت سبب نقمة كثير من الناس على المنصور إلا أنها في واقع الأمر كانت أهم خطوة لأن غياب القائد الموجه والرأس المدبر يجعل كل الجهود تذهب هباءًا منثورًا وسنرى أن المنصور لم يستخدم سلطانه إلا لخدمة الإسلام.

[2] بعد أن أصبح المنصور هو الحاكم الحقيقي للأندلس قام بعزل الوزير 'جعفر المصحفي' وولده 'محمد' وحاسبهما على أموالهما الطائلة من أين جاءت وكيف تضخمت؟ وأسفر التحقيق عن كثير من الانحرافات لدى الوزير 'المصحفي' الذي زج بالسجن وقضى فيه نحبه وانتهى عصر الفساد معه.

[3] أما الصقالبة الأشداء فقد شعروا بأن المنصور يعمل على سحق نفوذهم فقرروا القيام بمبادرة وانقلاب سريع واجتمعوا على قائد لهم اسمه 'درسي' ولكن 'منصور' اليقظ كان أسرع منهم فقبض على قادة التمرد وحاكمهم بشدة وفرق شملهم ووزعهم على الأقاليم حتى لا يعودوا للتجمع والتذمر.

[4] أما الطامعين من رجال الدولة وولاة الأقاليم البعيدة والعصبيات العربية القديمة والموروثة منذ أيام الفتح الأول إضافة إلى التهديد الخارجي المتمثل في أسبانيا النصرانية المتربصة والتي قامت بالفعل بالهجوم على ديار المسلمين وذلك في شهر رجب 366هـ كلا الخطرين رأى 'المنصور' أن يواجههم بأفضل الأساليب على الإطلاق وهو شرارة الحملات الجهادية وبذلك يرد عادية الصليبيين وفي نفس الوقت يشغل هؤلاء الطامعين من الولاة بقضية إسلامية ويوجه طاقتهم لحرب أعداء الإسلام وكانت هذه الحملات هي أنجح الحملات الجهادية التي قام بها مسلمو الأندلس ضد أسبانيا الصليبية طوال عمر دولة الإسلام في الأندلس على طول عمرها 'ثمانية قرون'.




* المنتصر دائمًا:

* منذ أن أطلق 'المنصور بن عامر' شرارة الحملات الجهادية ضد أسبانيا سرت روح جديدة في قلوب المسلمين واشتعلت الحمية في قلوبهم فتقاطر المجاهدون المتطوعين على الأندلس من كل مكان، وخاض 'المنصور' أكثر من خمسين معركة ضد الصليبيين انتصر فيها جميعًا ولم تنكس له راية أبدًا حتى سرى الاعتقاد بين كل الناس مسلمهم وكافرهم بأن 'المنصور' مؤيد من السماء، والحق أن 'المنصور' قد اعتمد في سياسته الجهادية على أسلوب الغزوات المستمرة المتعاقبة والذي كان يرمي من خلاله إلى غاية بعيدة المدى لم يفكر فيها أحد من قبله من أمراء الأندلس أو لم يقدروا عليها وهي سحق الممالك الأسبانية الصليبية سحقًا تامًا وأن يفكك عراها التي بدأت في الالتحام والترابط وبالتالي يجعل أسبانيا النصرانية كلها أرض مسلمة وكانت معظم حروب المسلمين من قبل 'المنصور' للدفاع ورد عادية النصارى فلما جاء عهد 'المنصور' كان هو البادئ بالغزو دائمًا ولم يقبل من النصارى قط صلحًا أو مهادنة ولم يقنع إلا بالنصر الكامل لذلك فهو أحق الناس بوصف 'المنتصر دائمًا' وبالقطع بعد 'خالد بن الوليد' رضي الله عنه وجيل الصحابة الأفذاذ، ومن أشهر معارك 'المنصور' ضد الصليبيين ما يلي:

* معركة شنت منكس: وكانت سنة 371هـ وفيها واجه 'المنصور' تحالفا صليبيًا مكونًا من أقوى أمراء الأسبان وهم 'راميرو الثالث' أمير 'ليون' وجرسيا فرنانديز' أمير 'قشتالة' و'سانشو' أمير 'نافار' وانتصر المسلمون على النصارى الذين قتل منهم عشرات الألوف وتفككت عرى التحالف الصليبي الوليد.

* معركة برشلونة: وهي من أعظم ثغور أسبانيا وقد فتحها المسلمون الأوائل مع بداية الفتح الأول ولتثبت مع المسلمين قرنًا من الزمان ولكنها سقطت سنة 185هـ وأصبحت شوكة في جسد الأمة المسلمة بالأندلس حتى جاء 'المنصور' في سنة 375هـ واقتحمها بجيوشه الجرارة بعد معركة طاحنة مع أهل المدينة الذين قتل معظمهم ودحر المسلمون المدينة تمامًا وأسر أمير 'برشلونة' وظل في السجن حتى مات ودمر 'المنصور' قوى النصارى تمامًا في هذا الطرف النائي من شبه الجزيرة الأسبانية.

* معركة جليقية: وهي أعظم المعارك على الإطلاق وتقع 'جليقية' في أقصى غرب أسبانيا وتوجد بها مدينة 'شنت ياقب' الدينية كعبة أسبانيا النصرانية ومزارها المقدس ورمز زعامتها الروحية وبها قبر القديس 'يعقوب' بزعمهم ويقام له سنويًا احتفالاً ضخمًا مثل الموالد المعروفة يفد إليه النصارى من كل حدب وصوب من داخل أسبانيا، وقد قصدها بجيشه الجرار لأمرين أولهما: أنها كانت ملجأ لملوك وأمراء 'ليون' الخارجين على طاعة 'المنصور'، ثانيهما: ضرب إسبانيا النصرانية في صميم معقلها القاصي وصميم زعامتها الروحية وبالفعل بعد معركة طاحنة ورحلة شاقة عبر مفاوز الجبال الوعرة وفي 2شعبان 387هـ اقتحم المسلمون المدينة وخربوها تمامًا مع عدم المساس بقبر 'يعقوب' القديس وأخذ 'المنصور' نواقيس الكنيسة العظمى وحملها الأسرى على كواهلهم حتى قرطبة وعلقت رؤوسًا للثريات الكبرى لمسجد قرطبة.

* معركة صخرة جربيرة: وكانت في 24 شعبان 390هـ وفيها تحالفت كل قوى النصرانية من أجل الصمود في وجه المسلمين والتقى الفريقان عند مكان شديد الوعورة يسمى 'بصخرة جربيرة' وكاد 'المنصور' أن يهزم لأول مرة في معاركه ولكن بسالة المسلمين وشدة بأسهم في القتال أنهت المعركة بهزيمة مروعة للتحالف النصراني وقتل معظم قادة الصليبيين وواصل 'المنصور' سيره حتى فتح مدينة 'برغش' عاصمة 'قشتالة'.




* وفاة المنصور:

إن من عاش على شيء وداوم عليه فلابد أن يموت عليه و'المنصور' قضى حياته كلها في الجهاد في سبيل الله فلابد أن يموت مجاهدًا وقد كانت تلك أسمى أمانيه حتى أنه كان يحمل أكفانه حيثما سار إلى غزوة وهي أكفان صنعت من غزل بنانه واشتريت من خالص ماله الموروث وقد استجاب الله دعاءه فوافته المنية في 27 رمضان سنة 392هـ بمدينة 'سالم' ودفن بها بعد أن دفن معه غبار كل معاركه التي خاضها في سبيل الله وكان يحتفظ بها طوال رحلته الجهادية الطويلة لأعدائها وتحقيقه أمنها ورخائها ولم يستخدم قط سلطانه إلا لخير الإسلام وخير الأمة، وقد كتب هذان البيتان من الشعر على شاهد قبره :



آثـاره تنبيـك عن أخباره ----- حـتى كأنـك بالعيـان تــراه

تالله لا يأتي الزمان بمثله ----- أبدًا ولا يحمي الثغور سواه

الأربعاء، يونيو 08، 2011

Ibn al-Nafis ابن النفيس


The discovery of pulmonary circulation is one of the contributions of "Ibn al-Nafis" unique in the field of medicine, which is not preceded by anyone; the first to describe the arteries that feed the heart muscle, contrary to the claims of historians of medicine to the world, "Stakeo"is the first Discovered that the arteries, as it has been another should not be ignored, a description of the minute capillary vessels by which exchanges between the veins and arteries

He is the author of "Al-Shamel fi al-Tibb" (Reference Book for Physicians) , the largest medical encyclopedia written by one person in the human history.

يعد اكتشاف الدورة الدموية الصغرى واحدًا من إسهامات "ابن النفيس" الفريدة فى مجال الطب، والتي لم يسبقه إليها أحد ؛ فهو- أيضًا- أول من وصف الشرايين التى تغذى عضلة القلب، وذلك خلافًا لما يدعيه مؤرخو الطب من أن العالم "ستاكيو" هو أول من اكتشف تلك الشرايين ، كما أن له سبق آخر لا ينبغى تجاهله، وهو وصفه للأوعية الشعرية الدقيقة التى يتم بواسطتها التبادل فيما بين الأوردة والشرايين

وهو صاحب كتاب "الشامل في الصناعة الطبية"، أضخم موسوعة طبية يكتبها شخص واحد في التاريخ الإنساني.

الثلاثاء، يونيو 07، 2011

مجاهد العامري


فتنة الأندلس:

عاشت دولة الأندلس أياما سعيدة تحت الحكم الموحد للخلافة الأموية التي أسسها عبد الرحمن الداخل الملقب بصقر قريش منذ سنة 138 هـ، وظلت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها من كل مكان حتى آل الأمر للتفرق وفساد ذات البين واقتتال المسلمين فيما بينهم على الحكم، وسقطت الخلافة القوية وسقطت معها وحدة المسلمين وقوتهم وتحول جسد الأمة المسلمة الكبير في الأندلس إلى أشلاء ينتهب منها كل طامع نهبته ويقضم من أجزائها قدر ما يستطيع من الأراضي والبلدان.


وكانت قواعد الأندلس الشرقية عند الفتنة من نصيب الفتيان العامريين موالي القائد العظيم 'المنصور بن أبي عامر'، وكان معظم أولئك الفتيان من الصقالبة من أصول أجنبية [ألمان وفرنسيين وإيطاليين ومن أهل البلقان] حيث يؤتى بهم وهم أطفال، ويربون في البلاط تربية إسلامية خالصة.






من هو مجاهد العامري؟

هو أبو الجيوش 'مجاهد بن يوسف بن علي' الملقب بـ'مجاهد العامري' نسبة إلى أستاذه ومعلمه الأول 'المنصور بن أبي عامر' والذي اعتنى به عناية خاصة لما رآه فيه من خلال وصفات باهرة من قوة وشجاعة إلى نسك وورع وتضلع في علم اللغة والقرآن؛ وهي صفات رشحته لأن يكون واليا على حكم 'دانية' ومنطقة الجزائر الشرقية، وظل عليها واليا حتى اضطرمت الفتنة بالأندلس بعد وفاة المنصور بن أبي عامر وما تبعه من سقوط الخلافة الأموية التي كان مجاهد العامري من أشد مؤيديها، فرأى مجاهد أن من المصلحة أن يستقل بحكم منطقة الجزائر الشرقية ويبحث عن رجل من بني أمية ينصبه خليفة للمسلمين على أمل إحياء الخلافة الإسلامية من جديد بالأندلس، ووجد ضالته في رجل من أهل العلم يلقب بـ 'المعيطي' وينتسب إلى بني أمية، وبالفعل نصبه خليفة على المسلمين بشرق الأندلس عام 405 هـ .



صفات مجاهد العامري :

كان مجاهد العامري نسيجا منفردا حيث جمع بين كثير من الخصال والصفات الحميدة وذلك في مجالات شتى؛ فهو بطل شجاع من أعظم فرسان عصره لا يباريه في المبارزة والرماية إلا القليل، يباشر القتال بنفسه وكثيرا ما كان يخرق صفوف العدو أثناء القتال، وكان لا ينضم لكتيبته الخاصة إلا أعظم الفرسان .


وفي التجارة كان مجاهد من أذكى ملوك الطوائف وأعلمهم بالشئون المالية والتجارية، وأنشأ أسطولا من السفن التجارية حقق من ورائه ثروة طائلة أحسن استغلالها في زيادة قوة ومناعة وعمران شرق الأندلس .


ولكن أعظم صفات مجاهد العامري كانت تتمثل في حبه للقرآن وعلوم القراءات والتفسير واللغة العربية؛ فقد كان مجاهد رغم أنه من الموالي إلا أنه شديد العروبة محبا للقرآن منذ صباه، صيتا به، معنيا بعلومه؛ حتى صار في المعرفة نسيج وحده، وجمع من كتب العلم خزائن جمة، فأمه جل العلماء وأنسوا بمكانه، وخيموا في ظل سلطانه؛ فانتشر العلم في دولته وقصده أكبر العلماء في القرآن واللغة أمثال 'أبو عمرو بن سعيد الداني' صاحب القراءات الشهير و'أبو عمر بن عبد البر' صاحب كتاب الإجماع، و'ابن معمر' اللغوي، و'ابن سيده' صاحب كتاب المحكم، وغيرهم كثير حتى فشا العلم بين الجواري والغلمان وصارت الجزائر الشرقية منارة العلم والقرآن بالأندلس .




مجاهد أسطورة البحر المتوسط:

كان مجاهد العامري من أعظم بحارة الإسلام في هذا العصر ومن أكثرهم تمرسا بالحروب والغارات البحرية حتى أصبح أسطورة البحر المتوسط وأحيطت شخصيته في المراجع الأجنبية بالكثير من الخيال والروعة، بل إن تفاصيل حملاته البحرية على أوروبا نجد ذكرها في المراجع الإيطالية واليونانية، ولا نجد لها ذكرا في المكتبة الإسلامية، وقد أطلق عليه المؤرخون الغربيون اسم 'موجيتوس' وهو اسم كان كفيلا أن يلقي الرعب والفزع في قلوب سكان إيطاليا وفرنسا لفترة تزيد عن ثلاثين سنة، وكانت غزوة جزيرة 'سردانية' هي أعظم معاركه وغزواته البحرية، والسبب الرئيس كان لشهرة مجاهد في أوروبا وحوض البحر المتوسط الغربي .



غزوة جزيرة سردانية [ربيع الثاني 406 هـ ]

بينما كانت دول الطوائف الأخرى تخوض غمار المنازعات والحروب المحلية الصغيرة، كان مجاهد العامري يفكر في مشروع ضخم ربما كان أعظم مشروع فكر فيه أمير من الأمراء في دولة الأندلس، ذلك هو غزو جزيرة سردانية وفتحها، وقد كان مجاهد زعيما قوي النفس خبيرا بحريا يرى أن إمارته الساحلية وأملاكه البحرية تقتضي أن يكون اعتمادها في القتال على الأساطيل قبل كل شيء، فاهتم بتقوية الأسطول فجدد دار الصناعة القديمة التي كانت بدائية واستكثر من شراء السفن والمعدات الحربية حتى صار عنده خلال فترة وجيزة أقوى أساطيل البحر المتوسط، واستعد لمشروعه الخطير، فحشد أسطولا قوامه مائة وعشرين سفينة مشحونة بالأبطال والعتاد الحربي، وأقلعت الحملة البحرية من 'دانية' في ربيع الأول سنة 406 هـ [أغسطس 1015 م] وكانت جزيرة سردانية موضع اهتمام المسلمين منذ فتح الأندلس وقد غزاها المسلمون عدة مرات سنة 711 م، 752 م، 813 م، 816 م، 817 م، 838 م بيد أن هذه الحملات كلها كانت عارضة لا تخطط للبقاء بالجزيرة، وكانت هذه الجزيرة تحت حكم الدولة البيزنطية ثم حكم الإفرنج ولكنها كانت مستقلة ذاتيا يحكمها قادة محليون، وكانت طبيعتها الوعرة وشجاعة أهلها الجبليين واعتزازهم بحرياتهم مما يعاون على دفع الغزاة ورد الحملات الغازية العارضة .




كانت حملة مجاهد العامري على جزيرة سردانية كبيرة قوية تخطط للبقاء بالجزيرة وإقامة سلطان الإسلام فيها بكل عزم وقوة، ووصلت الحملة إلى الجزيرة بعد ثمانية أيام ورست في خليج كالياري في جنوب الجزيرة ثم انساح الغزاة المسلمون إلى داخل الجزيرة بمنتهى القوة كالسيل الهادر ووقعت بينهم وبين أهل الجزيرة معارك دموية قتل فيها جمع غفير في مقدمتهم قائد الجزيرة 'مالوتو' وأسر المسلمون جموعا غفيرة وأصبحت الجزيرة تحت حكم المسلمين .

شرع مجاهد في توطيد وضع المسلمين بالجزيرة فأنشأ بها مدينة واسعة ونقل أهالي المجاهدين والمسلمين الفاتحين إليها واستقدم هو زوجته وولده الوحيد عليا وباقي أسرته .


كان لهذه الغزوة الجريئة رد فعل عنيف وقوي لدى البابوية والدول الإيطالية القريبة خاصة أن مجاهد العامري جعل جزيرة سرداينه قاعدة انطلاق جهادية على شواطئ إيطاليا خاصة 'جنوه' و'بيزا' وكلاهما من أقوى الدول البحرية في البحر المتوسط، وفي الحال أعلن البابا 'بندكتوس الثامن' الحرب الصليبية ضد المسلمين وكون أسطولا ضخما أضعاف أضعاف الأسطول المسلم وقرر الهجوم على سردانية لتحريرها من المسلمين .


وصلت أخبار الحملة الصليبية البحرية لمجاهد العامري فقرر الاستعداد لها بقوة وبالغ في تحصين الجزيرة ولكن تضافرت عليه عوامل كثيرة أدت ف النهاية لهزيمة المسلمين؛ منها مقاومة أهل الجزيرة من الداخل، وسآمة الجنود المسلمين من رداءة الطقس وقلة الغنائم والبعد عن الأوطان وهبوب الرياح والعواصف العاتية على الأسطول المسلم الراسي في خليج كالياري مما أدى لغرق الكثير من سفن الأسطول المسلم .


كانت الهزيمة التي حلت بالمسلمين من الشدة بمكان أن أسرة مجاهد نفسه قد وقعت في الأسر كلها ولم ينج من الأسطول الضخم البالغ قوامه مائة وعشرين سفينة سوى بضع سفن فقط عادت إلى الأندلس تجتر هزيمة شنيعة وتبكي قتلى وأسرى بالآلاف، وهكذا تحطم هذا المشروع الضخم ولم يتح للمسلمين أن يستقروا في سردانية كما أتيح لهم من قبل أن يستقروا في صقلية، ولو نجح مجاهد العامري في مشروعه واستقر المسلمون في سردانية لكان مرجعا أن تزدهر بها حضارة إسلامية كبيرة تشع على ظلمات أوروبا ولربما صارت أوروبا بعدها كلها مسلمة.



ولكن هذه الهزيمة القادحة لم تمنع مجاهد العامري من أن يواصل حملاته البحرية القوية في حوض البحر المتوسط مما جعله أسطورة البحار وكابوسا يقلق كرسي البابوية سنوات طويلة .




































الأحد، يونيو 05، 2011

محمد إقبال

محمد إقبال

 

 

 

 

 

 

 

 

 




مولده وتعليمه

وُلد محمد إقبال في دولة باكستان في مدينة "سيالكوت "في إقليم البنجاب في الرابع والعشرين من شهر ذي الحجة سنة 1289هـ، الموافق 9 من نوفمبر سنة 1877م، لسلالة أصلها براهمية من الطبقات العليا في المجتمع الهندي، وقد أسلم جدُّه الأكبر قبل ميلاده بثلاثمائة عام، فنشأ إقبال منعَّمًا بالإيمان، ومتعلِّقًا به، وقد حفظ القرآن الكريم، والتحق بمدارس بلدته الابتدائية والثانوية، ثم التحق بالكليَّة الحكوميَّة.

ثم أُرسل لبراعته ودقَّته إلى لندن عام 1905م ليلتحق بجامعة كامبردج، وقد حصل هناك على درجة علميَّة مرموقة في الفلسفة وعلم الاقتصاد، فرحل إلى جامعة ميونخ بألمانيا، حيث حصل على الدكتوراه في الفلسفة، وما لبث أن عاد إلى لندن؛ لحضور الامتحان النهائي في الحقوق، فحصل على درجة عالية في القانون، وفي لندن عَمِل في تدريس اللغة العربية في جامعتها، وحاضر كثيرًا عن الإسلام، فساهم بجهد كبير في نشر الدعوة، وفي المقارنة بين الفلاسفة المسلمين كابن سينا وابن رشد وابن عربي وجلال الدين الرومي، وبين فلاسفة أوربيين: كهيجل ونيتشه، وشوبنهاور، فذاع صيته في الآفاق: في تركيا وروسيا وبلاد الأفغان.

وقد تُرجمت أعماله، واهتمَّ بها كثير من فلاسفة الغرب، فقارنوا بينه وبين "جوته" وكذلك بينه وبين "نيتشه"، حتى قامت في ألمانيا (جماعة إقبال) تُشْرِف على ترجمة آثاره، وكذا فعل المسيو "إسكاريا "في إيطاليا، و"نكلسون" في أمريكا، و"عبد الوهاب عزام" في مصر.

دفاعه عن الإسلام

قام محمد إقبال بالعديد من المساهمات العلميَّة الجادَّة التي كانت سببًا رئيسًا في الدفاع عن الإسلام، فكانت فلسفته قائمة على القوَّة والوَحدة، وقبل وفاته بستَّة أشهر زاره العلامة أبو الحسن الندوي، فعبَّر له إقبال عن نظرته للفلسفة قائلاً: "إن علوم الطبيعة تلتقي مع الإسلام على الجدِّ والعمل والبعد عن البحوث الفلسفيَّة التي لا جدوى فيها، وقد ظلَّت هذه الروح متغلغلة في المجتمع الإسلامي قرنين، وبقي متمسِّكًا بالعقيدة والعمل والسيرة والخلق حتى طغت عليه الفلسفة الإغريقية...".

ثم تحدث إقبال عن الفلسفة الإلهية، وكيف شغلت الشرق واستهلكت قواه، وذكر أن أوربا إنما نهضت وملكت العالم لمَّا ثارت على هذه الفلسفة أي فلسفة ما بعد الطبيعة، وبدأت تشتغل بعلوم الطبيعة المجدية المنتجة، ولكن قد حدث وثار من المسائل في هذا العصر ما يخاف معه أن ترجع أوربا القهقرى، وذكر أن العقل العربي كان الأقدر على فهم الإسلام فهمًا صحيحًا، والأجدر على حمل أمانته[1].

أمَّا شعر إقبال فإنه يتميَّز بذوبانه وراء شعلة الإسلام التي ملأت العالم نورًا وحرارة، وقد قضى حياته في البحث عن تلك الأمجاد التي مضت، وأولئك الأبطال الذين رحلوا وغابوا في غياهب الماضي، فشِعره يوقظ العقول، ويهزُّ النفوس، ويُربي الآمال في الصدور، ولا عجب إذا كان شعره يملأ القلوب حماسة وإيمانًا، وكان وقعه في النفس كبيرًا وعميقًا، فقد سالت في شعره دموعه ودماؤه، وفاضت فيه مهجته ودعاؤه!

وإقبال من الشعراء القليلين الذين وهبوا حياتهم للفكرة الإسلاميَّة، فأقام شعره وقلمه وبيانه في سبيل تجلية عظمة الإسلام وفضله، وما من شاعر ممن كتبوا عن الإسلام إلاَّ شاركوا فيه فنونًا أُخَر ما عدا إقبال[2].

فشِعر إقبال مليء بالمعاني الإيمانيَّة القويَّة، التي فيها يسير إقبال مع القارئ يُخبره عن الإيمان، ويوصله بطريق انسيابيَّة نحو الله تعالى، فيقول:
أين ما يُدْعَى ظلامًا يا رفيق الليل أين *** إن نور الله في قلبي وهذا ما أراهُ
قد مشينا في ضياء الوحي حبًّا واهتدينا *** ورسول الله قاد الرَّكْب تحدوهُ خطاهُ[3]

ويقول إقبال في قصيدته الطويلة "شكوى" وهي دمعة أرسلها من عينه وتكلَّم بها في قصيدة يشكو إلى الله حال العالم الإسلامي، يشكو من المسلمين ويشكو من بُعدهم عن دينهم وعن رسالتهم، ويبيِّن لهم أنَّ الانتصار لن يتحقَّق إلاَّ بالإيمان, وأن الإنسان لا يصلح إلاَّ بالإيمان وأنَّ الدنيا لا تصلح إلاَّ بالآخرة، وأنَّ المسجد لا يصلح إلاَّ مع المزرعة والمزرعة مع المسجد، هذا هو ما يريد أن يقوله للناس. فيقول عن هذا:

إذا الإيمان ضاع فلا أمانَ *** ولا دنيا لمن لم يحي دينَا
ومَن رَضِيَ الحياة بغير دِين *** فقد جعل الفناء لها قرينَا
تُسانِدُها الكواكب فاستقرَّتْ *** ولولا الجاذبيَّة ما بَقِينَا
وفي التوحيد للْهِمَمِ اتحادٌ *** ولن نصل العلا متفرِّقينَا[4]

كما يصف الكافر قائلاً:
إنَّما الكافر تيهانِ *** له الآفاق تيهْ
وأرى المؤمن كونًا *** تاهت الآفاق فيهْ[5]

ويصف مشاعره وأحاسيسه في قصيدة اسمها (إلى مدينتك يا رسول الله)، التي ترجمها أبو الحسن الندوي نثرًا:

يا رسول الله، زرتك البارحة في المنام، فأتيتُ إليك أشكو ظلم الهنود، وأشكو ما فعلوا برسالتك، إنهم يا رسول الله، حوَّلوا رسالتك إلى تمائم ومسابح وإلى رقصات، إن رسالتك يا رسول الله، انبعثت من المدينة فأحيتني، وأحيت أمثالي, لكنْ رَفَضَ الهنودُ أنْ يستجيبوا لك يا رسول الله.

ثم يصف خروج الرسالة من طيبة الطيبة وذهابها إلى العراق ثُمَّ إلى الأتراك ثُمَّ إلى الهنود، وأنها ترتفع بإذن الله لتغطِّي الدنيا:
مِنْ ثَرَاهَا قَدْ كَتَبْنَا النُّور في دنيا الوجودْ *** وعلى أهْدابها صُغْنَا معانٍ من خلودْ
حِكْمَةُ الإيمان من طِيبَةَ سَارَتْ للْعِرَاقِ *** وهفا الأتراكُ في دُنْيَا رُؤاها والهنودْ[6]

علاقته بالمشاهير والحكام

كانت قضيَّته الكبرى أنْ يُؤْمِنَ الناسُ، فأرسل رسالة إلى لينين، وكان محمد إقبال مشهورًا على مستوى العالم يعرفه لينينُ، ويعرفه أذناب الشرق والغرب، يقول: "اتَّقِ الله يا لينين، فإنك قصمت ظهر الرأسماليَّة فأحسنت، فألحق بقصمك للرأسماليَّة لا إله إلا الله". ولينين هذا ثار على الحقِّ الفردي في الرأسمالية, ولكنه أخرب كل الخراب عليه لعنة الله، كفر بالله.

ودخل على نادر شاه في كابل, ونادر شاه كان ملك أفغانستان آنذاك، وكتب رسالة إلى محمد إقبال يقول: "اقدَم إلينا، اقدَم إلينا". فدخل محمد إقبال فخرج الأفغان ألوفًا مؤلَّفة في الشوارع يستقبلونه، فأخذ -قبل أن يقابل الرئيس أو الملك- نسخة من المصحف وأعطاه، وقال: يا نادر شاه، والله لن تعلُوَ بشعب الأفغان حتى تأخذ هذه الوثيقة, إنني أتيت بها من الله. يعني: أن هذا القرآن من الله.

حبه لكل عربي ومسلم

أحبَّ إقبال كل ما هو عربي، فأحب الحجاز لأن فيها رسولَ الله ؛ ولأن في الحجاز نورًا انبعث، وفيها رسالة خالدة، وفيها جماجم الأبطال؛ ولأن في الحجاز مخرجًا من مخارج التوحيد والتاريخ، وله قصيدة اسمها "ناقتي في الحجاز" وصف نفسه وهو يبكي، ويقول: يا ليتني أعتمر مرَّة ثانية. ولم تكن متيسِّرة له, كان يدرس في الجامعة الفلسفةَ، وشرح ديوان المتنبي, وكان يدور في الليل والنهار ويُلقي محاضرات، وفي آخر عمره كان يُلقي في اليوم الواحد عشر محاضرات[7].

ويقول وهو يتفجَّع على المسلمين وقد زار قرطبة، ووقف أمام الجامع ولم يجد المسلمين, وجد المسجد قد حُوِّل إلى حانات من الخمر، ووجد العاهرات وهنَّ في محراب المسجد؛ فبكى، وجلس عند الباب، وأنشد قصيدته الفضفاضة الشهيرة في مسجد قرطبة وهو يقول:

أرى التفكيرَ أدركَهُ خمولِي *** ولَمْ تَبْقَ العزائم في اشتعالِ
وأصبح وعظكمْ من غير نورٍ *** ولا سحرٍ يطلُّ من المقالِ
وعند الناس فلسفةٌ وفكرٌ *** ولكن أين تَلْقِينُ الغزالِي
وجلجلة الأذان بكلِّ حيٍّ *** ولكنْ أين صَوْتٌ مِنْ بلالِ
منائركمْ عَلَتْ في كلِّ ساحٍ *** ومسجدكمْ مِنَ العُبَّادِ خالِي[8]

وقد علَّم إقبال الجماهير المسلمة الفرق الجلي بين الحضارة الأوربيَّة والأمريكيَّة الخاوية على عروشها من أي معنًى من معاني الإيمان والرُّوح، وبين الحضارة المسلمة التي جمعت بين الدين والدولة، بين الناحية الرُّوحية التي يحتاج إليها الإنسان في كلِّ يوم، وبين الناحية المادِّيَّة التي تنهض بها الأرض في نطاق قضية الإعمار التي أشار إليها القرآن الكريم، ومن ثَمَّ أتى محمد إقبال إلى المسلمين، وأعلن أن الحضارة محتاجة إلى إيمان المؤمنين، وصلاة المصلِّين، وصدق الصادقين، يقول للمسلم:
أنت كنز الدّر والياقوت في *** لجَّة الدنيا وإنْ لم يعرفوكَ
محْفَلُ الأجيال محتاجٌ إلى *** صوتك العالي وإن لم يسمعوكَ[9]

ويقول: ليس في العالم إلاَّ أنت، ولا يضرُّك هذا الضجيج والإعلام والفلسفة؛ لأن أذناب العلمنة الذين وُلدوا في لوس أنجلوس ودرسوا في ديفرسايد، ولا يعرفون القرآن ولا زمزم ولا توضَّئوا بالماء، طلسموا عقول الناس وجعلوا الدين خرافة ورجعيَّة.

وظلَّ طَوَال سنوات حياته يهتمُّ بالمجموع، واهتمامه بكل ما يُعيد للأُمَّة الإسلاميَّة مجدها وحضارتها؛ لذلك استنكر على كمال أتاتورك إسقاطه الخلافة؛ حيث ردَّ عليه بقصيدته المشهورة (خطاب إلى مصطفى كمال باشا) في ديوانه رسالة الشرق، حيث عبَّر عن حزنه على تغريب المجتمع التركي، وتقليد أتاتورك للأفكار الغربيَّة بما سماَّه الإصلاحات، ليس ذلك فحسب بـل انـتقـد عـصبة الأمـم المتحـدة في ذلك الوقـت؛ لأنها منظَّمة بلا حياة تعمل لصالح المستعمِر فقط:

صوَّر الغاصبُ عدلاً ظلمه *** ما هو التفسير للعدْل الجديدِ
زادَ فـي التَّحْرير معنى أنَّه *** يُحكم القيْدَ لِتَحْرِير العبيدِ
قال للطير: إذا رُمْتَ الأمان *** فاتخذْ في منزل الصَّيَّاد وَكْرَا
ليس في الأجواء للطير مكانٌ *** ولا تَأْمَنَّ في الصحراء نَسْرَا[10]

لذا فإن أدب العلاَّمة محمد إقبال -رحمه الله- يُعتبر من القواعد التي تشكَّلت على أُطُرِهَا أسس الأدب الإسلامي؛ حيث أشرقت البدايات الأولى في شبه القـارة الهنديَّة، ووجدت أذانًا صاغية في العالم الإسلامي للاستفادة من المَضَامِينِ الإسلاميَّة، وصياغة الأدب الإسلامي وَفْقَ الأسس التي اتَّبَعَها العلامة محمد إقبال في صياغة خطابه الأدبي؛ كالمضمون القرآني فنِّيًّا من حيث الأسلوب وجماليَّات اللغة، والمضمون النبوي والسنة المطهَّرة من حيث الأفكار وأحاديث الرسول وسيرته العطرة، والمضمون الإنساني من حيث العلوم والتجارِب الإنسانيَّة بما في ذلك المناهج الأدبيَّة والرحـلات[11].

اهتمام الأدباء العرب بشعر إقبال

اهتمَّ كثير من الأدباء العرب بإبداعات محمد إقبال مثل عبد الوهاب عزام، والشيخ الصاوي شعلان، ومحمد حسن الأعظمي، وغيرهم، فترجموا أعماله إلى اللغة العربيَّة، ثم نَظَمَها بعضهم على نسق شعري، فقصيدة: "ملكنا هذه الدنيا" التي نَظَمها الشيخ الصاوي شعلان تحمل في ثناياها أمجاد الأُمَّة الإسلاميَّة في صورة بيانيَّة جميلة، فكلُّ بيت من أبياتها لوحة فنِّيَّة تُعَبِّر تعبيرًا صادقًا عمَّا مرَّت به الأُمَّة الإسلاميَّة من أطوار حضاريَّة ستظلُّ خالدة في الصدور قبل الطلول، فيُعَبِّر إقبال عن هذه الحضارة التالدة، بنظم الشيخ الصاوي شعلان:

مَلَكْنَا هذه الدنيا القرونَا *** وأخضعها جدودٌ خالدونَا
وسطَّرْنا صحائفَ من ضياء *** فما نَسِيَ الزمان ولا نسِينَا
وكنَّا حين يأخذنا قويٌّ *** بطغيان ندوسُ له الجبينَا
تفيضُ قلوبنا بالهدي بأسًا *** فما تغضي عن الظلم الجنونَا[12]

ولا يلبث إقبال ليخرج من قصيدة شعريَّة تقوم حكمتها على المعاني الإسلاميَّة القائمة على الوَحدة والقوَّة والاعتصام بالله وبرسوله ، إلاَّ ويدخل في قصيدة أخرى تقوم معانيها على التأمُّل في الكون المحيط بالإنسان، الذي إذا أنعم الإنسان نظره فيه، قُرِّبَ من الله تعالى، والقصيدة القادمة التي ترجمها الدكتور عبد الوهاب عزام بعنوان (تأمُّلات) تقوم على المقارنة الفكريَّة المجرَّدة بين الماضي والحاضر، فماضي المسلمين مليء بكلِّ ما يُثير فكر الإنسان المسلم المعاصر بكلِّ تساؤل عن حقيقة هذه الحضارة الفانية بأشخاصها، والباقية بآثارها من نواحٍ مادِّيَّة يستغرب لها كلَّ مَنْ عاينها، ويستهدي بكلِّ ضلالٍ من اهتدى بها، فيقول إقبال في أبيات فلسفيَّة عميقة تُعبِّر عمَّا يمور في قلبه تجاه ما هو إسلامي، حتى غدا هذا الشاعر أبا الشعراء المسلمين الذين قَدِمُوا من بعده:

ضاق عن معنايَ حرفٌ وصدَى *** عجَزَ الإدراك في هذا المدَى
قُلتُ واللفظ من المعنى خجل *** وشَكَا المعنى من اللفظ المحل
مات معنى في حروف يُحبسُ *** ناره يخمد منك النفس
سرُّ غيبٍ وحضورٍ في القلوب *** زَمْرُ وقتٍ ومرور في القلوب
إن للوقت للحنًا صامتَا *** وله في القلب سرًّا خافتَا
أين أيامٌ بها سيف الدُّهُرْ *** صرَّفتْه في أَيَادينا القُدرْ؟
قد غرسْنَا الدين في أرض القلوبْ *** وجلونا الحقَّ من ستر العيوبْ[13]

دور الشعر في توجيه المجتمع

رأى إقبال أنَّ الأدب موهبة كبيرة من مواهب الله تعالى، وقوَّة عظيمة يستطيع صاحبها أنْ يحدِثَ انقلابًا في المجتمع، وثورة فكريَّة، وبه يستطيع الشاعر أن يضرب الأوضاع الفاسدة الضربةَ القاضية، ويُشعل القلوب الحماسة والغضب لكلِّ ما هو سيِّئ، ويملأ النفوس قلقًا واضطرابًا وتذمُّرًا من الشرِّ، وتطلُّعًا إلى الخير، فلا بُدَّ أن يكون في قلم الأديب والشاعر التأثيرُ الذي كان في عصا موسى، وأنْ يُؤَدِّيَ رسالته في العالم، وكلُّ أدب استُغِلَّ لجمع المادَّة، أو إرضاءِ الأغنياء والأثرياءِ، أو إثارةِ الشهوات، أو على الأقلِّ كان أداة اللهو والتسلية والتذوُّق بالجمال والتغنِّي به، فهو أدبٌ ضائع مظلوم، استُعْمِل لغير ما خُلق له، ولغير ما وُهب له؛ حيث يقول في بيت من أبياته: "أنا لا أعارض التذوق بالجمال والشعور به، فذلك أمر طبيعي، ولكن أي فائدة للمجتمع من عِلْمٍ لم يكن تأثيره في المجتمع كتأثير عصا موسى في الحجر والبحر".

ويرى إقبال أنَّ الأدب في الشرق الإسلامي أصبحت مادَّته تدور حول المرأة، فأصبح لا يتحدَّث إلاَّ عنها، ولا يتغنَّى إلاَّ بها، ولا يبحث إلاَّ فيها، ولا يُصوِّر إلاَّ إيَّاها، ولا يرى في الكون إلاَّ ظلَّها وجمالها، وهذه عقيدة جديدة، في وَحدة الوجود التي يمكن أنْ تُسَمَّى الوجوديَّة الأدبيَّة، وكأنَّ لسان حال الأدب العصري ينادي: (لا موجود إلاَّ المرأة)، وفي هذا يقول إقبال: "أسفًا للشعراء والرسامين وكُتَّاب القصَّة في بلادنا، لقد استولت على أعصابهم المرأة"[14].

وبعد هذه الجولة المختصرة مع شاعر الإسلام محمد إقبال نجد أنَّ شعره لم يتعدَّ الإسلام، ولم يجاوزه فهو إسلامي بكلِّ ملكاته، بكل جوارحه، ولم ينزلق في أي غرض شعري آخر، حتى غدت القضيَّة الإسلاميَّة هي الهاجس والغاية التي بها آمن، وفيها وُجد شعره، ومنها نشأت دولة إسلاميَّة عظيمة هي الأرض الطاهرة، أو دولة "الباكستان"، ومن ثَمَّ فإقبال يكاد يكون المفكِّر والشاعر العالمي الذي استطاع بشعره الإسلامي أنْ يُوَحِّدَ أُمَّة إسلاميَّة جديدة في قطر إسلامي عظيم.

فهذا الداعية الإسلامي إنما صحَّ عزمه على إصلاح الدنيا بالدين، فلزم من هذا أنْ يُقيم معاني الإيمان، لدعم كل ما هو حقٌّ بما ورد في القرآن، ورأى القوم وقد تفرَّقوا عن سبيل الله، وتحوَّل غير قليل منهم عن جانب الحقِّ إلى جانب الباطل، فكان حتمًا من الحتم أن يُذَكِّرهم بكتابهم، ويدعوهم إلى تقليب نظرهم فيه، لعلَّهم أنْ يتعلَّموا منه ما لم يكونوا يَعْلَمُون، أو ينتبهوا إلى ما كانوا عنه ذاهلين.

ولا نعرف -أو نكاد- من شعراء العربيَّة أو الفارسيَّة أو التركيَّة مَنْ جعل لكتاب الله في شعره مثل تلك المنزلة التي جعلها إقبال له، أو على التحديد لم ينط أحد تفكيره وتعبيره في ثبات ودوام، ولا قصر عليه اهتمامه على أنَّه النبع الأوحد الذي يستقي منه شعره، والنبراس الذي لا يحمل سواه لهداية مَنْ ضلُّوا السبيل في الدياجي، بعد انقطاعهم عن ركب الهدى، وهم ينقلون خطاهم وراء خير مَن هدى، وقد جعل النقل والعقل في كفَّتي ميزان، وهما كفَّتان تتراجحان، إلاَّ أنَّ كفَّتيه فيما يتعلَّق بالقرآن، فكانتا مستويتين؛ لأن النقل عن القرآن يؤيِّد العقل، كما يجد العقل في القرآن فلكًا يدور فيه ولا يملك أن يخرج عنه[15].

وفاة محمد إقبال

فاضت روح الشاعر محمد إقبال إلى بارئها في 21 من إبريل 1938م، وكان يومًا عصيبًا في حياة جماهير الهند عامة والمسلمين منهم خاصة؛ فعطلت المصالح الحكومية، وأغلقت المتاجر أبوابها، واندفع الناس إلى بيته جماعات وفرادى، ونعاه قادة الهند وأدباؤها من المسلمين والهندوس على السواء، ويقول عنه طاغور - شاعر الهند: "لقد خلفت وفاة إقبال في أدبنا فراغًا أشبه بالجرح المثخن الذي لا يندمل إلا بعد أمد طويل، إن موت شاعر عالمي كإقبال مصيبة تفوق احتمال الهند التي لم ترتفع مكانتها في العالم"[16].
[1] أبو الحسن الندوي: روائع إقبال ص6، 7.
[2] عبد اللطيف الجوهري: مع إقبال شاعر الوحدة الإسلامية ص99.
[3] الأبيات من الرمل.
[4] الأبيات من الوافر.
[5] الأبيات من مجزوء الرمل.
[6] الأبيات من الرمل.
[7] الرابط: http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&audioid=20548، والمقال للشيخ عائض القرني بعنوان: "محمد إقبال شاعر الإيمان والحب والطموح".
[8] الأبيات من الوافر.
[9] الأبيات من الرمل.
[10] الأبيات من الرمل.
[11] مجلة أقلام الثقافية الإليكترونية، مقال بعنوان "الأدب الإسلامي العلامة محمد إقبال أنموذجًا"، الرابط: http://www.aklaam.net/forum/showthread.php?t=11495
[12] الأبيات من الوافر.
[13] عبد اللطيف الجوهري: مع إقبال شاعر الوحدة ص132، 133، والقصيدة ترجمة د. عبد الوهاب عزام، والأبيات من الرمل.
[14] أبو الحسن الندوي: شاعر الإسلام، الدكتور محمد إقبال ص80-81، ملحق مجلة الأزهر المصرية، عدد صفر 1429هـ، فبراير 2008م.
[15] حسين مجيب المصري: إقبال والقرآن ص158.
[16] انظر موقع إسلام أون لاين، مقال بعنوان (محمد إقبال.. شاعر الهند والإسلام).

المصدر







الثلاثاء، مايو 10، 2011

التعريف بالعلامة عبد الحميد بن باديس رحمه الله تعالى و غفر له.




الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره، و نعوذ به من شرور أنفسنا و سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وصلى

الله على نبينا محمد الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه، ووفّر من كل خيرٍ و كمالٍ على جميع العالمين نصيبه، و على آله الطاهرين، و أصحابه الهادين

المهتدين، و التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين أمــابعدُ

فهذه نبذة تعريفية مختصرة لعالم من أعلام الجزائر وهو العلامة السلفي عبد الحميد بن باديس رحمه الله تعالى و غفر له وفاءًا ببعض حقه علينا –

نحن معشر طلاب العلم- مما نشروا من علم نقي صحيح، و دافعوا عن جناب السنة و التوحيد في بلادنا الحبيبة، من هجمات عتاة الأعداء من

الصوفيين و المستعمرين الفرنسيين ؛ و اعترافًا بفضله الذي لا يجحده إلا مكابر ! و لا ينكره إلا كنود حسود !! و إنما يعرف الفضل لأهل الفضل أهل

الفضل !!
(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)

 إسمه و نسبه



 هو عبد الحميد بن محمد بن مكي بن باديس الصنهاجي.
و ينتهي نسبه إلى المعز بن باديس مؤسس الدولة الصنهاجية الأولى التي خلفت الأغالبة على مملكة القيروان.

مولدهولد عبد الحميد بن باديس بمدينة قسنطينة يوم الأربعاء 10 ربيع الثاني 1308 الوافق لـ 4 / 12/ 1889م.
ووالده: محمد مصطفى بن باديس، صاحب مكانة مرموقة و شهرة واسعة.
و أمّــــه: السـيدة زهيرة بنت علي الأكحل بن جلول.
- نشأته العلمية و أعماله:
-
حفظ القرآن الكريم على الشيخ المدّسي ، و لَمَّا يبلغ الثالثة عشر من عمره.
- أخذ مبادئ العلوم الشرعية و العربية على الشيخ حمدان الونّيسي.
- سافر إلى جامع الزيتونة بتونس و غيرهما ليلقي بعض الدروس في
(الجامع الكبير) بقسنطينة من كتاب (الشفاء)
للقاضي عياض رحمه الله، لكنه سرعان ما مُنع.
- في عام 1913م غادر قسنطينة متوجهًا إلى الحجاز لأداء فريضة الحج.
- في المدينة التقى بأستاذه حمدان الونّيسي، كما تعرّف على الشيخ محمد البشير الإبراهيمي.
- رجع ابن باديس إلى قسنطينة ليباشر التعليم في : ( جامع الأخضر) بسعي من والده لدى الحكومة.
- وفي (الجامع الأخضر) ختم تفسير القرآن تدريسًا في ربع قرن، كما أتمَّ شرح كتاب (الموطأ)
لإمام دار الهجرة مالك ابن أنس رحمه الله تعالى تدريسًا أيضًا.
أصدر بعد تأسيس ( المطبعة الجزائرية الإسلامية) عدّة جرائد من أشهرها
المنتقد، الشهاب، السنة، الشريعة، الصراط، البصائر،
لتبليغ الدعوة الإصلاحية السلفية.
وفي سنة 1931م تمّ تأسيس (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) ف
عين الشيخ عبد الحميد رئيسًا لها.
-أسس بموازاة إخوانه المصلحين المساجد و المدارس الحرّة
و النوادي العلمية في شتى أنحاء القطر الجزائري

شيوخه



من أشهرهم بقسنطينة: الشيخ حمدان الونيسي، و بتونس: العلامة محمد النخلي، و الشيخ الطاهر بن عاشور، و محمد بن القاضي، و محمد الصادق النيفر، و بلحسن النجار، و غيرهم من علماء الزيتونة الأعلام.
و بالمدينة الشيخ أحمد الهندي.
و بمصر: شيخاه بالإجازة: العلامة محمد بخيت المطيعي، و ا
لشيخ أبو الفضل الجيزاوي

.
تلاميذته

 مرآة الإصلاح و على التفكير الصحيح، و محيي دوارس العلم بدروسه الحية، ومفسّر كلام الله على الطريقة السلفية في مجالس انتظمت ربع قرن، وغارس بذور الوطنية الصحيحة وم لقّن مباديها، عالم البيان وفارس المنابر، الأستاذ الرئيس الشيخ عبد الحميد بن باديس"
- و قال الشيخ مبارك الميلي:" الأستاذ العظيم و المرشد الحكيم، عدّتنا العلمية و عمدتنا الإصلاحية".
- - و قال الشيخ الطيب العقبي: " المصلح الفذّ، و العلامة الذي ما أنجبت الجزائر- منذ أحقاب- مثله إلا قليلا
ً"



وهم كثيرون، من أبرزهم: العلامة الشيخ مبارك الميلي مؤلف (رسالة الشرك و مظاهره) و (تاريخ الجزائر)، و الشيخ الفضيل الورتلاني، و موسى الأحمدي و الهادي السنوسي ، و باعزيز بن عمر، ومحمد الصالح بن عتيق ، و محمد صالح رمضان و غيرهم.
ثناء أهل العلم و الفضل عليه:
قال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي: " باني النهظتين الفكرية و العلمية بالجزائر، وواضع أسسها على صخرة الحق و قائد زحوفها المغيرة إلى الغايات العليا، و إمام الحركة السلفية، و منشئ مجلة(الشهاب)

كان العلامة ابن باديس سلفيًّا، متمسكًا بالكتاب الكريم و السنّة الصحيحة، مُعتدًّا بفهم السلف الصالح لهما، وقد قرّر ذلك في أكثر من مناسبة، منها ما حرّره في خاتمة(رسالة جواب سؤال عن سوء مقال) حين قال رحمه الله: " .. الواجب على كل مسلم في كل مكانٍ و زمانٍ أن يعتقد عقدًا يتشرّبه قلبُه، و تسكن له نفسه، و ينشرح له صدرُه، و يلهج به لسانُه، و تنبني عليه أعمالُه، أنّ دين الله تعالى من عقائد الإيمان و قواعد الإسلام و طرائق الإحسان، إنّما هو في القرآن و السنّة الصحيحة و عمل السلف الصالح، من الصحابة و عمل السلف الصالح، من الصحابة و التابعين و أتباع التابعين، و أن كلّ ما خرج عن هذه الأصول و لم يحظ لديها بالقبول –قولًا كان أو عملاً أو عقدًا أو حالاً- فإنّه باطل من أصله ، مردود على صاحبه، كائنًا من
كان، في كل زمان أو مكان ... "



آثـــــــــاره

 توفي الشيخ عبد الحميد بن باديس – بعد حياة حافلة بجلائل الأعمال –مساء الثلاثاء 8 ربيع الأول سنة 1359هـ الموافق لـ 16 / 4 / 1940م، و دفن في روضة أسرته، بحي الشهداء قرب مقبرة قسنطينة.
رحمه الله رحمة واسعة و غفر له.

لم يصل إلينا منها سوى:
1 – (تفسير ابن باديس) أو (مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير).
2 – (من هدي النبوة) أو (مجالس التذكير من كلام البشير النذير صلى الله عليه و سلم).
3 – (رجال السلف و نساؤه).
4 – (القصص الهادف).
5- (العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية).
6 – (مبادئ الأصول).
7 – (رسالة جواب سؤال عن سوء مقال).
8 – (العواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي المالكي) تحقيق و تقديم.
كما جُمعت مقالاته في (الشهاب) و (البصائر) غيرهما و نشرت ضمن آثاره غير مرّة

.
وفــــــاتــــه

توفي الشيخ عبد الحميد بن باديس – بعد حياة حافلة بجلائل الأعمال –مساء الثلاثاء 8 ربيع الأول سنة 1359هـ الموافق لـ 16 / 4 / 1940م، و دفن في روضة أسرته، بحي الشهداء قرب مقبرة قسنطينة.
رحمه الله رحمة واسعة و غفر له.

الزعيم المورسكي مولاي عبد الله محمد






قامت دولة الإسلام في الأندلس منذ سنة 92هجرية وظلت قائمة وصامدة تتقلب من طور لآخر ومن حال لحال بين قوة وضعف ووحدة وتفرق وعزة وذلة حتى تكاثرت عليها الخطوب وأحاط بها الأعداء من كل مكان فسقطت بعد عمر مديد وحكم فريد سنة 897هجرية أي أنها ظلت قائمة حية طيلة ثماني قرون، وهى بذلك تعتبر أطول دول الإسلام عمراً، وكان حادث سقوطها مدوياً آلم كل المسلمين على وجه الأرض، حتى أن سلطان مصر المملوكي وقتها 'الأشرف قايتباي' قد هدد فرناندو وإيسابيلا ملكي إسبانيا النصرانية بأن يقتل كل النصارى الموجودين بمصر واليمن والشام إذا أساءوا لمسلمي الأندلس بل إن حادثة سقوط غرناطة آخر معاقل الإسلام بالأندلس لتسامي حادثة سقوط بغداد وسقوط بيت المقدس في يد الصليبيين تارة وفى يد اليهود تارة أخرى، بالجملة كان حادث السقوط من أشهر وأخطر أحداث القرن التاسع الهجري ولكنه لم يكن الفصل الأخير في حياة المسلمين بالأندلس ، حيث جاءت بعد ذلك أحداث وفصول أشد مأساوية وأكثر إيلاماً، وبرز خلال تلك الفترة المجهولة تماماً لجمهور المسلمين العديد من الأبطال والفرسان الذين حاولوا استعادة الملك القديم، وصاحبنا هذا هو فارس الأندلس الأخير .


محاكم التفتيش





لم تكن الدموع التي ذرفها الأمير أبو عبد الله محمد وهو يسلم مفاتيح قصور الحمراء بغرناطة لملكي إسبانيا النصرانية 'فرناندو' و'إيسابيلا'، هي الدموع الأخيرة في بلاد الأندلس، إذ أعقبها الكثير والكثير من الدموع والدماء، فرغم العهود والأيمان المغلظة التي قطعها ' فرناندو' على نفسه ووقع عليها في وثيقة استلام غرناطة الشهيرة، إلا أن الله عز وجل الذي هو أصدق قيلا قال في محكم التنزيل 'لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ..' وقال 'إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا أيديهم وألسنتهم بالسوء ..' فأبت على فرناندو صليبيته أن يفي للمسلمين بشيء من العهود والمواثيق، وكانت هذه الوثيقة ستارا للغدر والخيانة وشنيع ما سيقترف بالمسلمين في الأندلس.

عهد الملك الصليبي 'فرناندو' إلى الكاردنيال 'خمنيس' مطران طليطلة ورأس الكنيسة الإسبانية مهمة تنصير مسلمي الأندلس، وكان هذا الرجل من أشد أهل الأرض قاطبة عداوة للإسلام والمسلمين، بل إن البغضاء المشحونة في قلبه كانت مضرباً للأمثال لعصور طويلة، فأنشأ هذا الرجل ما يسمى بديوان التحقيق أو عرف تاريخيا بمحاكم التفتيش وذلك سنة 905 هجرية، فكان أول عمل لهذه المحاكم أن جمعت كل المصاحف وكتب العلم والفقه والحديث وأحرقت في ميدان عام كخطوة أولى لتنصير المسلمين بقطع الصلة عن تراثهم وعلومهم الشرعية.

بدأت حملة تنصير المسلمين بعد ذلك بتحويل المساجد إلى كنائس ثم جمع من بقى من الفقهاء وأهل العلم وتم إجبارهم على التنصر، فوافق البعض مكرهاً وأبى الباقون فقتلوا شر قتلة، وكان التمثيل بجثث القتلى جرس إنذار لباقي المسلمين إما التنصير وإما الموت والقتل والتنكيل وسلب الأموال والممتلكات وكانت عملية التنصير مركزة على إقليم غرناطة ومنه انتقلت حمى التنصير إلى باقي بلاد الأندلس حيث كان هناك الكثير من المسلمين تحت حكم النصارى خاصة في الوسط والشرق.


هب المسلمون بما بقى عندهم من حمية وغيرة على الدين للدفاع عن هويتهم وعقيدتهم، فاندلعت الثورة في عدة أماكن من غرناطة وغيرها، واعتزم المسلمون الموت في سبيل دينهم، ولكنهم كانوا عزلاً بلا سلاح ولا عتاد، فقمع الصليبيون الثورات بمنتهى الشدة فقتل الرجال وسبيت النساء وقضي بالموت على مناطق بأسرها ماعدا الأطفال الذين دون الحادية عشرة حيث تم تنصيرهم، وبعد قمع الثورة بمنتهى العنف والقسوة، أصدر 'فرناندو' منشوراً بوجوب اعتناق المسلمين للنصرانية، وذلك سنة 906 هجرية ومن يومها ظهر ما يعرف في تاريخ الأندلس المفقود باسم 'الموريسكيين' وهى كلمة إسبانية معناها المسلمين الأصاغر أو العرب المتنصرين، ومحنتهم تفوق الخيال وما لاقوه وعانوه من إسبانيا الصليبية لا يخطر على بال .


الموريسكيون

ظهرت في بلاد الأندلس المفقود طائفة الموريسكيين وهم المسلمون الذين اضطروا للبقاء وأجبروا على إظهار النصرانية وترك الإسلام، وهذه الطائفة رغم البطش والتنكيل الشديد الذي تم بها لتجبر على التنصر، إلا إنها ظلت مستمسكة بدينها في السر، فالمسلمون يصلون سراً في بيوتهم، ويحافظون على شعائرهم قدر استطاعتهم وذلك وسط بحر متلاطم من الاضطهاد والتنكيل والشك والريبة.

كانت العداوة الصليبية المستقرة في قلوب الأسبان تجاه مسلمي الأندلس أكبر من مسألة الدين أو غيرها، فقد كانت هناك رغبة جامحة عند قساوسة ورهبان أسبانيا لاستئصال الأمة الأندلسية، فظل الموريسكييون موضع ريب وشك من جانب الكاردينال اللعنة 'خمنيس' وديوان التحقيق، فعمل 'خمنيس' على الزج بآلاف الموريسكيين إلى محاكم التفتيش حيث آلات التعذيب والتنكيل التي تقشعر لها الأبدان ويشيب منها الولدان وذلك للتأكد من صدق تنصرهم وخالص ارتدادهم عن الإسلام، وكانت أدنى إشارة أو علامة تصدر من الموريسكيين وتدل على حنينهم للإسلام كفيلة بإهدار دمائهم وحرقهم وهم أحياء، واستمرت إسبانيا الصليبية في سياسة الاضطهاد والقمع والتنكيل بالموريسكيين، وبلغت المأساة مداها بعدما أصدر 'شارل الخامس' قراراً بمنع سفر الموريسكيين خارج إسبانيا باعتبارهم نصارى ومن يخالف يقتل وتصادر أملاكه وعندها اندلعت الصدور المحترقة بثورة كبيرة في بلاد الأندلس.


الثورة الشاملة

كان تولى الإمبراطور 'فليب الثاني' عرش إسبانيا بداية حملة اضطهاد غير مسبوقة للموريسكيين الذين كانوا موضع شك دائم من قبل الكنيسة ورهبانها الذين كانوا يشعرون في قرارة أنفسهم أن الموريسكيين ما زالوا على الإسلام في سويداء قلوبهم، وكان 'فليب الثاني' ملكاً شديد التعصب، كثير التأثر بنفوذ الأحبار، فأصدر حزمة من القرارات جاءت بمثابة الضربة القاتلة لبقايا الأمة الأندلسية وذلك بتجريدها من مقوماتها القومية الأخيرة بتحريم استخدام اللغة العربية والملابس العربية، وعندها قامت الثورة الشاملة وكان مركز الثورة في منطقة جبل 'الشارات' واندلع لهيب الثورة منها في أنحاء الأندلس ودوت صيحة الحرب القديمة وأعلن الموريسكيون استقلالهم، واستعدوا لخوض معركة الحياة أو الموت، واختار الثوار أميراً لهم اسمه 'محمد بن أمية' يرجع أصله إلى بنى أمية الخلفاء كإشارة على استعادة الخلافة ودولة الإسلام في الأندلس مرة أخرى.

حقق الموريسكيون عدة انتصارات متتالية، اهتزت لها عروش النصرانية في أسبانيا وأوروبا، فأعدت أسبانيا حملة عسكرية ضخمة يقودها أمهر قادتهم هو 'الدون خوان'، وجاء المجاهدون المسلمون من المغرب العربي وانضمت فرقة عسكرية عثمانية للثوار جاءتهم من تونس، وكان الأسبان يقتلون من يقع في أسرهم ويمثلون بجثثهم أبشع تمثيل حتى الأطفال والنساء لم يسلموا من أفعالهم، وزاد ذلك الثوار يقينا بحتمية الاستمرار في الثورة والقتال حتى الموت، وقويت العزائم وتقاطر المجاهدون المغاربة على الأندلس، وهنا امتدت أيدي الغدر والخيانة في الظلام لتغتال حلم الأندلسيين بمكيدة شريرة ويقتل الأمير 'محمد بن أمية' قبل أن يحقق هدفه المنشود.


القائد الجديد

بعد اغتيال 'محمد بن أمية' لم تكن هذه الثورة لتقف أو تنتهي بموت زعيمها، فاختار الثوار أميراً جديداً هو ابن عم القتيل واسمه 'مولاي عبد الله محمد'، وكان أكثر فطنة وروية وتدبرا فحمل الجميع على احترامه ونظم جيش الثوار وجعله على الطراز الدولي ويفوق في تنظيمه الجيش الصليبي الأسباني واستطاع 'مولاي عبد الله' أن يستولي على عدة مدن هامة مثل مدينة 'أرجبة' التي كانت مفتاح غرناطة والتي كان سقوطها شرارة اندلاع ثورة الموريسكيين وذيوع شهرة 'مولاي عبد الله محمد'.


حشدت إسبانيا أعداداً ضخمة من مقاتليها يقودهم 'الدون خوان'، فحاصر هذا الجيش الجرار الثوار في بلدة 'جليرا' وكان مع الثوار فرقة من الجنود العثمانيين، ودارت رحى معركة في منتهى الشراسة أبدى فيها المسلمون بسالة رائعة، ولكن المدينة سقطت في النهاية ودخلها الأسبان دخول الضواري المفترسة وارتكبوا مذبحة مروعة شنيعة لم يتركوا فيها صغيرا ولا كبيرا ولا طفلا ولا امرأة، وحاول 'الدون خوان' مطاردة فلول الثوار ولكنه وقع في كمين للثوار في شعب الجبال عند مدينة 'بسطة' وأوقع الثوار هزيمة فادحة بالصليبيين الأسبان ، جعلت الحكومة الأسبانية تفكر في مصالحة الثوار المسلمين.


السلام الفاشل

عرضت الحكومة الصليبية الإسبانية على المسلمين الثائرين معاهدة سلام لإنهاء القتال، فبعث 'الدون جوان' إلى أحد الثائرين واسمه 'الحبقى' وقد لمحت فيه إسبانيا الصليبية بعض المؤهلات التي ترشحه للتفاوض وقبول شروطها المجحفة في السلام، وكانت شروط المعاهدة تتضمن وقف انتفاضة المسلمين فورا وفى سبيل ذلك يصدر وعد ملكي بالعفو عن جميع الموريسكيين الذين يقدمون خضوعهم في ظرف عشرين يوما من إعلانه ولهم أن يقدموا تظلمهم وشكاواهم مع الوعد بالبحث فيها ودراستها..!

وكل من رفض العفو والخضوع للسلطة الصليبية سيقتل ما عدا النساء والأطفال دون الرابعة عشرة والسبب بالقطع معروف النساء سبايا والأطفال ينصرون.

كانت شروط السلام الصليبي المعروض على الموريسكيين كفيلة بأن يرفض الأمير مولاي عبد الله محمد هذه المعاهدة الجائرة التي لا تعطى المسلمين شيئا وليس لها سوى هدف واحد وهو إيقاف ثورة المسلمين فقط لا غير، وأيقن المسلمون أن الأسبان الصليبيين لا عهد لهم ولا ذمة، فانقلب النصارى يفتكون بكل المسلمين في أنحاء أسبانيا سواءًا من اشترك في الثورة أم لم يشترك، واشتبك الدون خوان مع قوات مولاي عبد الله في عدة معارك ولكنها غير حاسمة، وفى نفس الوقت أبقى الأسبان على خط التفاوض مع الزعيم 'الحبقى' الذي رأى فيه النصارى السبيل لشق صف الثوار المسلمين.

سار مجرى القتال في غير صالح المسلمين لانعدام التكافؤ بين الطرفين خلا الإيمان بالله عز وجل، ورأى مولاي عبد الله أن أتباعه يسقطون من حوله تباعا وتجهم الموقف والقوة الغاشمة تجتاح كل شيء، فبدأ يفكر في الصلح والسلام ولكن بغير الشروط السابقة، وتدخل بعض زعماء الأسبان ممن له عقل وتدبير لإجراء الصلح، ولكن 'الحبقى' استبق الجميع وشق صف الثورة وخرج عن طاعة مولاي عبد الله ومن معه، وذهب بسرية من فرسانه إلى معسكر الصليبيين وقدم الخضوع والذلة إلى قائدهم 'الدون خوان'.

كانت هذه الخطوة الذليلة من 'الحبقى' محل سخط كل المسلمين وخاصة زعيمهم مولاي عبد الله، فلقد لمح أن 'الحبقى' يروج بمنتهى القوة لهذا السلام الذي هو خضوع وذلة بالكلية للصليبيين، وأن الصف المسلم يتصدع بمحاولات 'الحبقى' وأراجيفه، خاصة بعدما لمح المسلمون نية الصليبيين في نفيهم بالكلية عن الأندلس، وهذا يجعل الهدف والداعي الذي قامت من أجله الثورة في الأصل هباءاً منثوراً وكيف سيعيدون دولة الإسلام في الأندلس مرة أخرى إذا طردوا من أوطانهم، لهذه الأسباب كلها قرر مجلس قيادة الثورة إعدام 'الحبقى' الذي ظهر منه ما يدل على عمالته وولائه للصليبيين.


استئناف القتال




أعلن مولاي عبد الله أن الثورة لن تتوقف وأن الموريسكيين سيجاهدون حتى الموت وأن حلمهم بإعادة دولة الإسلام في الأندلس لم يمت في قلوبهم، وأنه يؤثر أن يموت مسلماً مخلصاً لدينه ووطنه مما بذلوا له من وعود معسولة وأماني كاذبة وكان لهذا الموقف الشجاع من مولاي عبد الله فعل السحر في نفوس المسلمين في جميع أنحاء أسبانيا، فاندلعت الثورة كالنار في الهشيم، وقابل الأسبان ذلك بمنتهى القسوة والشدة بل والحقد الجنوني، حيث مضوا في القتل والتخريب لكل ما هو مسلم، وهدموا القرى والضياع والحقول حتى لا يبقى للثوار مثوى أو مصدر للقوت.

كانت لهذه القسوة المفزعة أثر كبير على نفوس الموريسكيين حيث فر كثير منهم من البلاد كلها إلى إخوانهم المسلمين في إفريقية، وفى 28 أكتوبر سنة1570 أصدر فليب الثاني قراراً بنفي الموريسكيين من مملكة غرناطة إلى داخل البلاد الأخرى بأسبانيا، ويوزعون على سائر الولايات الإسبانية بل مصادرة أملاكهم وأموالهم ، ووقع تنفيذ القرار في مشهد يندى له جبين البشرية من الخزي حيث السفك والنهب والاغتصاب، وسيق مسلمو غرناطة كالقطعان لمسافات طويلة حيث الجوع والعطش والمرض ثم وضعوا بعد ذلك فيما يشبه المعسكرات الجماعية حيث بقوا رهن المتابعة والرقابة الدائمة، وعين لهم مشرفاً خاصاً يتولى شئونهم ووضعت لهم جملة من القيود من يخالف أدناها يقتل شر قتلة.


الخيانة ونهاية البطل

بعد هذه الوحشية منقطعة النظير وبعد سلسلة من المذابح والمجازر البشرية المروعة في حق مسلمي الأندلس وبعد فرار الكثير من الموريسكيين إلى إفريقية وبعد نفي بقيتهم داخل أسبانيا لم يبق أمام الأسبان سوى آخر فرسان الأندلس مولاي عبد الله وجيشه الصغير الذي ظل مقاوماً للصليبيين معتصماً بأعماق الجبال، رافضاً للصلح أو المهادنة أو الخضوع لسلطة الصليب مهما كانت التضحيات، وهو في هذه الأثناء يقوم بحرب عصابات ضد الحاميات الأسبانية المنتشرة بغرناطة وأوقعت هذه الحرب خسائر فادحة بالأسبان، ولكنها أيضا أنهكت قوة جيش مولاي عبد الله الصغير.

ولأن هذا العصر وتلك الأيام كانت توصف بالخيانة والعمالة وحب الدنيا وكراهية الموت والخوف على النفس والمال والعيال، فلقد استطاع أعداء الإسلام أن يستقطبوا ويجندوا أحد ضباط مولاي عبد الله محمد ويغروه بالأموال والمنح والوعود والعفو الشامل إذا استطاع أن يسلمهم مولاي عبد الله محمد حياً أو ميتاً، وكان الإغراء قوياً ومثيراً والنفوس ضعيفة، فدبر هذا الضابط الخائن خطته لاغتيال آخر أبطال الأندلس، وفى ذات يوم هجم الخائن مع بعض من أغواهم على البطل مولاي عبد الله الذي قاومهم قدر استطاعته ولكنه وبعد معركة غير متكافئة سقط شهيداً، فقام الخونة بفعلة شنيعة حيث ألقوا جثته من فوق الصخور لكي يراها الجميع ويعلم أسيادهم الأسبان بنجاح مخطط الغدر والخيانة، وهكذا تدفع الأمة من جديد ثمن خيانة بعض أبنائها وتفقد ولداً باراً وبطلاً عظيماً قام بنصرتها والدفاع عن عرضها وحاول استعادة مجدها ولكنه وللأسف الشديد زمن الخيانة والعمالة!



إن ميراث الحقد والعداوة الدفين في قلوب أعداء الإسلام ضد كل ما هو مسلم ليدعو كل صادق وغيور لأن يكون على استعداد دائم للمعركة التي يخطط لها أعداء الإسلام، والصدام الوشيك بين الحق والباطل، وما فعله الأسبان بجثة البطل الشهيد مولاي عبد الله يدل على مدى الحقد العمى المشتعل في قلوب أعداء الإسلام، حيث قام الأسبان بحمل الجثة إلى غرناطة وهناك استقبلوها في حفل ضخم حضره الكبار والصغار الرجال والنساء، ورتبوا موكباً أركبت فيه الجثة مسندة إلى بغل وعليها ثياب كاملة كأنه إنسان حي ومن ورائها أفواج كثيرة من الموريسكيين الذين سلموا عقب اغتيال زعيمهم، ثم حملت الجثة إلى النطع وأجرى فيها حكم الإعدام، فقطع رأسها ثم جرت في شوارع غرناطة مبالغة في التمثيل والتنكيل ومزقت أربعاً وأحرقت بعد ذلك في الميدان الكبير ووضع الرأس في قفص من الحديد، رفع فوق سارية في خاصة المدينة تجاه جبال البشرات معقل الثورة ومنشأها، وهكذا يفعلون في أبطالنا.

الاثنين، فبراير 14، 2011

الإمام شامل أسد داغستان



لقد اتبع النظام الشيوعي البائد في حكم ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي سياسة الستار الحديدي والتعتيم الكامل عما يجري على أراضيه عموماً وعلى المناطق الإسلامية خصوصاً حتى نشأت أجيال متعاقبة من أبناء المسلمين لا يعلمون أن لهم إخواناً في العقيدة يعانون من الظلم والقهر لقرون طويلة، ولم تتكشف هذه الحقيقة إلا بعدما سقط الاتحاد السوفيتي وظهرت الجمهوريات الإسلامية، وقام المسلمون من تحت ركام الطغيان الصليبي ثم الشيوعي، ليرووا لنا الأهوال التي لاقوها من أجل الحفاظ على دينهم وعلى هويتهم، التي ظلت صامدة راسخة في قلوبهم، واستعصت العقيدة المتغلغلة في نفوسهم على التغيير والتبديل، وقاموا ليرووا لنا تاريخ أبطالهم العظام الذين قادوا المسلمين في التصدي لحرب الروس، وهذه سيرة واحد من أعظم أبطال المسلمين في تلك المناطق .


الإسلام في بلاد القوقاز

يطلق لفظ بلاد القوقاز أو القفقاس أو القفجاق على المنطقة الشاسعة الواقعة بين بحر قزوين 'الخرز قديماً' والبحر الأسود، ولقد دخل الإسلام لهذه المناطق مبكراً عندما فتح 'سراقة بن عمرو' أذربيجان عام 22هجرية في عهد الفاروق عمر رضى الله عنه، ثم أتم عبد الرحمن بن ربيعة الفتح بدخول مدينة 'دربند' على ساحل بحر قزوين وكان العرب يسمونها 'باب الأبواب' وتقع في 'داغستان' ثم واصل 'سراقة بن عمرو' فتوحاته بالقوقاز ففي عهد الخليفة الراشد 'عثمان بن عفان' رضى الله عنه فتح أرميتيا وجورجيا، ثم ارتد الأرمن فجاءهم جيش بقيادة 'حبيب بن مسلمة' فأخضعهم [وهكذا نرى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يسيحون في أقصى أرجاء المعمورة فاتحين ومبشرين وهادين الناس لدعوة الإسلام، حاملين في أعناقهم أمانة تبليغ الإسلام للعالمين، رافعين راية التوحيد ليبددوا بها ظلمات الشرك والجاهلية ولو في آخر بلاد العالمين].





لم يستقر الوضع للمسلمين بهذه المناطق بسبب بعدها عن الجزيرة العربية وكثرة ثورات أهلها الذين لم يتعرفوا بعد على حقيقة الإسلام، وكان الإسلام قد انتشر في الجهات الشرقية 'داغستان والشيشان' والجنوبية 'أذربيجان'، وبقيت الأجزاء الوسطى والتي تتضمن بلاد جورجيا وأرمينيا نصرانية وعلى اتصال مباشر مع الدولة البيزنطية التي كانت تحرضهم على المسلمين باستمرار، واستمر الوضع هكذا أيام الدولتين الأموية والعباسية حتى ظهرت قوة السلاجقة الأتراك الذين سيطروا على بلاد القوقاز سنة 465 هجرية .

ومن حسن طالع هذه البلاد أنها كانت ضمن أملاك مغول القبيلة الذهبية أو أسرة 'جوجى بن جنكيز خان' وكانت هذه القبيلة أولى قبائل المغول إسلاماً خاصة أيام ملكهم العظيم 'بركة خان' فانتشر الإسلام أكثر فأكثر ببلاد القوقاز، ولكن انشغال ملوك هذه القبيلة بالحروب المستمرة مع بنى عموتهم 'الدولة الإيلخانية' هولاكو وأبنائه، صرفهم عن توسيع رقعة الإسلام بالقوقاز وظلت جورجيا وأرمينيا نصرانية.



بلاد القوقاز بين العثمانيين والصفويين
انقرضت دولة المغول وتفتت لدويلات صغيرة متناثرة هنا وهناك، وفى هذه الفترة تنامت قوى إسلامية جديدة على طرفي النقيض وهى الدولة العثمانية السنية والدولة الصفوية الشيعية وأيضا ظهرت قوة نصرانية جديدة وهى الدولة الروسية والتي حاولت أن تتوسع على حساب الدول الأخرى، وكانت منطقة القوقاز هي حلبة الصراع وتنازع القوى الثلاثة، ذلك لأنها تقع في وسط الدول الثلاث.

بدأ العثمانيون في مد نفوذهم إلى بلاد القوقاز والقرم خاصة بعدما استفحل الخطر الروسي والذي أخذ يبتلع بلاد التتر المسلمين فأوقفتهم الدولة العثمانية، وعلى الناحية الأخرى استطاع الصفويون ضم معظم أجزاء القوقاز بسبب انشغال العثمانيين بالحروب في البلقان، فلما تفرغ العثمانيين للقوقاز نزعوا كثيراً مما أخذه الصفويون، خاصة وأن الصفويين كانوا روافض يجبرون سكان القوقاز على الرفض والتشيع وتمكنوا من فرضه على سكان أذربيجان، فأوقف العثمانيون المد الشيعي لهذه البلاد، ونجح العثمانيون في نشر الإسلام بين القبائل التي لم تدخل الإسلام بعد فاعتنقته قبائل الشركسى والقبرطاى والأديغة والأنجاز والأوستين والأنجوس وأصبح غالب سكان القوقاز مسلمين سنة وتركز الروافض في أذربيجان، بينما بقى معظم الأرمن على نصرانيتهم .





الاحتلال الروسي للقوقاز
نستطيع أن نقول بمنتهى الوضوح والصراحة أن السبب الرئيسي وراء سقوط هذه البلاد الغالية في قبضة الاحتلال الروسي هو الكيد والتآمر الشيعي الخبيث الذي قامت به الدولة الصفوية الرافضية التي ظلت تحارب وتنازع الدولة العثمانية على منطقة القوقاز مما سهل على الروس التقدم واحتلال صحراء القوقاز، ثم احتلال بلاد القوقاز شيئاً فشيئا فاحتلوا أولاً داغستان المطلة على بحر قزوين ثم الشيشان ثم توالى السقوط بتوالي هزائم الدولة العثمانية أمام الروس.


عمل الروس منذ أن وطئت أقدامهم النجسة هذه البلاد الطاهرة على تغيير الهوية والصبغة الإسلامية لأهل القوقاز فنشروا المفاسد وأباحوا المحرمات وعطلوا الشريعة وبذروا الفتنة بين المسلمين واصطنعوا عملاء وجواسيس لهم في كل قرية وبلد في القوقاز، وأثاروا النعرات القبلية بين القبائل والقوميات المختلفة، ونصبوا حكاماً وأمراء من المسلمين الموالين لهم ممن يؤثرون دنياهم ومصالحهم الشخصية على حساب دينهم وعقيدتهم، ونجح الروس إلى حد ما في طمس الهوية الإسلامية للشعوب القوقازية ونشر بعض المفاسد مثل الخمر الذي انتشر بين أبناء الشعوب القوقازية هناك، واسمع لوصف داغستان من واحد من أكبر علماء البلاد وقتها وهو العلامة 'سعيد الهركانى' وهو يدعو تلاميذه للهجرة من هذه البلاد الظالم أهلها فيقول 'اعلم أن دار داغستان هو معدن الأخطار ومسكن الأشرار ومنبع المآثم والأكدار لا تقام فيها الحدود، ولا توفى فيها العهود، وأهلها عبيد العارات، ومضيعوا الصلوات، ومرتكبوا الشهوات، ليس لهم همة سوى جمع الحطام من غير تفرقة بين الحلال والحرام، وحكامهم فجار، وولاتهم أشرار وعلماؤهم ذئاب على أجسادهم ثياب، فإن أردت اللحوق بالأبرار فعليك بالنقلة عن تلك الديار' ونحن نلحظ من هذه الرسالة مدى الفساد واليأس المنتشر بين أهل البلاد تحت تأثير الاحتلال الروسي .


ثورة الأحرار
كانت روسيا تتبع مع سكان داغستان نظام الحكم شبة الذاتي، حيث تركت إدارة البلاد بعد تقسيمها لعدة إمارات بيد المسلمين الموالين لها من الأمراء الطامعين الدنيويين، والاشتراط عليهم بالحكم بقوانين وعادات الروس وليس بالشريعة الإسلامية التي هي بالطبع تقوم السلوك وتصحح الانحراف وتأبى على المتحاكمين إليها بالخضوع والذلة لأعداء الإسلام، وتولى هؤلاء الأمراء الخونة مهمة قطع وطمس هوية الشعب الداغستانى المسلم، واستمر الوضع كما هو عليه عشرات السنين حتى بدأ الأحرار من المسلمين الصادقين في الشعور بحتمية التخلص من نير الاحتلال الروسي وإنقاذ بلاد الإسلام ودينهم من جور الكفرة الذين يريدون طمسه بالكلية .




نستطيع أن نقول أن الذي قاد الثورة في داغستان هم العلماء والشيوخ وكان أول من قاد الثورة هو الشيخ العلامة 'محمد الكمراوي' وكان من كبار علماء داغستان وله تلاميذ كثر على رأسهم الشيخ 'شامل أفندي' بطلنا المقدام، واستطاع العلامة المجاهد 'محمد الكمراوي' أن يعد جيشاً صغيراً يقدر بثمانية آلاف مقاتل مسلم من أهل البلاد، حقق به عدة انتصارات باهرة على القوات الروسية ولكنه سرعان ما استشهد رحمه الله في معركة 'كيمرة' ضد الروس وذلك سنة 1248 هجرية وأصيب الشيخ 'شامل' إصابة شديدة ولكنه نجا، وكان العلامة 'محمد الكمراوي' شديد الحماسة والغيرة على الإسلام وفي منتهى الشدة على الخونة والمنافقين من الموالين لروسيا، وألف رسالة صغيرة بعنوان 'إقامة البرهان على ارتداد أمراء داغستان' ويعني بهم التاركين لحكم الشريعة الإسلامية، الموالين لروسيا الصليبية، وبالجملة وعلى الرغم من قصر مدة ثورة 'محمد الكمراوي' إلا أنها استمرت من بعده ولم تهدأ طيلة ثلاثين عاماً متصلة.

بعد استشهاد الإمام الغازي والشجاع الباسل 'محمد الكمراوي' في جهاده ضد الفرس، تولى القيادة بعده الشيخ 'حمزة بك علي' واستطاع أن يكسر شوكة أمراء 'أوار' الموالين للروس الخائنين للإسلام ولكن لم يمضي عليه سوى سنة ونصف حتى قتله رجل منافق اسمه 'عثمان' بدافع من الروس وذلك يوم الجمعة حين ذهابه للصلاة إلى جامع البلد الكبير، 'وهكذا يلعب دائما المنافقون أقذر الأدوار في تعطيل مسيرة النهضة والتحرر ولولا هذا الطابور الخامس المندس في صفوف أمة الإسلام ما سقط بلد مسلم قط بيد أعداء الإسلام وما حدث في أفغانستان والعراق خير دليل على دور المنافقين الخطير في هدم الأمة وتسليمها لأعدائها'.





الإمام شامل

انتقلت قيادة الثورة إلى الشيخ الإمام 'شامل بن دنكاو الداغستاني' وكان هو بحق رجل الساعة وفارس الساحة والأسد الجبلي الذي لا يقوى عليه أحد من أعداء الإسلام، ولد 'شامل' سنة 1212 هجرية في قرية 'كيمرة' من مديرية 'خونزاخ' على نهر 'قويصو' وهى قرية زراعية مشهورة بالفواكه الجيدة، أخذ في حداثة سنه عن العالم المتبحر 'سعيد الهركاني' وصحب منذ صغره الشيخ المجاهد 'محمد الكمراوي' قائد الثورة الأول في رحلته العلمية وعكف معه على العلم والعبادة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، حتى قامت الثورة المباركة وكان 'شامل' الذراع اليمنى لمحمد الكمراوي وقائد جيوشه وشريكه في الأمور حتى ليلة استشهاده، ثم اشترك مع القائد الثاني 'حمزة بك على' حتى استشهاده هو الآخر، فأجمع الناس على تولية الشيخ 'شامل' قيادة الثورة ومن يومها أصبح اسمه الإمام شامل.




دولة داغستان الإسلامية



عندما استلم الإمام 'شامل' قيادة الحركة المباركة لطرد الروس من داغستان، كان يملك رؤية شاملة ومتكاملة عن شكل المجتمع المسلم الذي سيكون عليه الناس في داغستان بعد تطهيرها من دنس الروس الكفرة، وهو ليس قائد ثورة فقط بل حمل على عاتقه جميع شئون الملة من إحياء للدين الإسلامي ونشر العلم وتطبيق الشريعة وإقامة العدل وتطهير المجتمع من الآثار المرذولة التي خلفها الاحتلال الروسي للبلاد، وجاءت خطوات الإمام 'شامل' لتحقيق هذا الهدف كالآتي:

أولاً: القضاء على المنافقين
قام الإمام شامل أولاً بتطهير المجتمع الداغستانى من العملاء والموالين للاحتلال الروسي، فحارب جميع الذين والوا الروس وشايعوهم ضد إخوانهم في الدين والوطن، وألح في جهادهم حتى طهر منطقة 'أوارستان' منهم وهاجم الحاميات الروسية الموجودة بها حتى اضطرهم للجلاء عن معظم جبال داغستان بعدما كانوا قد أقاموا حصوناً وبروجاً ضخمة بها.

ثانياً: ضم الشيشان مع داغستان
لم يكن هدف الإمام 'شامل' تحرير داغستان فقط من نير الاحتلال الروسي، بل كان يهدف لتطهير منطقة القوقاز بأسرها من الروس، واستعادة الحكم الإسلامي عليها مرة أخرى، لذلك عمل الإمام 'شامل ' على توسيع قاعدة الدولة الإسلامية، فانتقل بالثورة إلى الشيشان حيث الرجال الأشداء والأبطال الكواسر وأسود الجبال الضارية، وبالفعل هناك قوي عضده واشتد ساعده وجمع شمله وصار قوة كبيرة يخشى بأسها، وأنزلت هذه القوة العديد من الهزائم المدوية على الجيش الروسي، خاصة في معركة 'ويدانو' سنة 1251 هجرية التي قتل فيها ستة آلاف صليبي روسي وكانت فاتحة إقبال 'شامل ' وحركاته على الصعيد القوقازي.

ثالثاً: بناء الجيش النظامي
كان الإمام 'شامل' يعلم علم اليقين قوة خصمه ومدى حجم جيوشه، ويعلم أيضا أنه يهدف لغاية عظيمة تحتاج لجهد وعرق وعمل دؤوب ليل نهار، وتحتاج أيضا لترتيب وتنظيم ودراسة لكل خطواتها لذلك شرع منذ البداية في بناء جيش نظامي قوي وكبير بلغ تعداده ستين ألف مقاتل مسلم وأنشأ مصانع لإنتاج البارود والذخيرة وتصنيع المدافع، وعهد بذلك للحاج حسين يوسف الشيشاني وهو مهندس رحل إلى مصر لتعلم العلوم الشرعية والفنون الحربية والهندسة ومكث سنوات في شغل وتحصيل، ثم عمل بالحكومة المصرية وترقى في سلم الوظائف ولما سمع بثورة العلماء بقيادة 'شامل' استقال من منصبه وعاد إلى القوقاز لتولي مهمة وزير الإنتاج الحربي بالعرف الحديث.

رابعاً: نشر العلم
لقد عمد الاحتلال الروسي على تنحية الشريعة من حياة المسلمين في داغستان وبلاد القوقاز لينشأ أجيال من المسلمين لا يعرفون شيئاً عن دينهم وعقيدتهم، وليسهل نشر المفاسد والمحرمات بينهم وهذا يسهل بدوره عملية التنصير المحمومة التي كان يقوم بها الروس في بلاد القوقاز، فلما قامت الثورة المباركة بقيادة 'شامل' عمل على نشر علوم الشريعة بين أهل القوقاز، فقام 'شامل' بتقسيم جميع مناطق ولايته إلى النواحي، وعين لها نواباً، وقضاة، وعلماء ومعلمين، وقد جمع حوله العلماء الكبار في منطقة داغستان وما حولها، فبدأوا في تعليم الناس فرائض دينهم ومعاني التوحيد وأنشأوا المدارس الدينية والمساجد والزوايا لتعليم القرآن والسنة، ولقد انضم لشامل مجموعة من العلماء العاملين المجاهدين المخلصين الذين استشهد معظمهم أثناء الجهاد ضد الروس بل لا يعلم أحد منهم مات على فراشه فكلهم شهداء في ساحات الوغى أمثال العالم 'سورخاي الأوراي' و'ملا رمضان الجاري' و'بارتيخان' و'أبو بكر الجركوي' وكلهم استشهد في معركة 'أحول كوح' سنة 1253 هجرية، وبعضهم ذكرنا بالصحابة رضوان الله عليهم مثل العالم البطل 'علي بك خويصلو' الذي كان قاضياً في مدينة 'أرغن' فقد أصيب في معركة 'جرقطة' بطلقة مدفع في ساعده الأيمن فعطله عن مواصلة القتال فداس الساعد بقدمه ثم قطع باليسرى إياه وظل يقاتل حتى النصر ثم نال الشهادة في معركة أحول كوح {وهكذا يكون العلماء الربانيون الذين يعملون بما يعلمون ويفعلون ما يقولون الذين جمعوا بين العلم والعمل فصاروا سنداً للأمة وقت الأزمات وقادة لها عند نزول المهمات}



الأسد في الأسر

ظل الأسد الهصور 'شامل' يدافع عن دينه وعن وطنه لا يطرأ عليه ضعف ولا يعتريه وهن ولا ملل خمساً وعشرين سنة، دوخ فيها الإمبراطورية الروسية، وكبدها خسائر بشرية ومادية ضخمة واستطاع أن يكون على الطراز الحديث المعروف بإسلامية الصبغة والانتماء جيشا قويا وبيت مال منظم ودقيق ومعامل ومصانع لزوم الجهاد والحياة، ولها الوزراء والأمراء والنواب والقضاة، ومن أعظم دلائل نجابته ومهارته أنه ألف من الأقوام الجبلية المختلفة الألسنة والطبائع جنداً منظماً قاوم به الروس الكفرة بما لديهم من إمكانيات دولة ضخمة خمس وعشرين سنة حتى اندهش له العالم بأسره، وذكر اسمه على صفحات الجرائد العالمية وندوات السياسة الدولية .


آخر أيام الامام شامل

ولكن وعلى الرغم من نجاح 'شامل' في تحقيق هدفه إلى حد بعيد إلا أن الوهن والضعف قد دب في نفوس بعض أعوانه وقواده الذين دخلهم الضجر والملل من مواصلة القتال، أضف لذلك استغلال الروس لبعض ذوي النفوس المريضة الحاقدة الذين أكلت الغيرة قلوبهم تجاه سطوع نجم الإمام 'شامل'، ولجأ أعداء الإسلام للسلاح القديم الذي يلجئون إليه كلما فشلوا في ميادين القتال المفتوحة وهو سلاح الغدر والخيانة، وبالفعل وقعت مكيدة الخيانة ونسج الخونة خيوطهم على دولة الإسلام الوليدة في داغستان، ووقع الإمام 'شامل' في الأسر سنة 1276 هجرية، واهتزت روسيا طرباً وفرحاً بسقوط الإمام المجاهد في قبضتها، وحمل الإمام 'شامل' وأسرته إلى 'موسكو' وهناك استقبلوه بكل إعزاز واحترام لشدة هيبته ومكانته في العالم الإسلامي والدولي كله، ومكث الإمام 'شامل' مع أسرته في 'موسكو' تسع سنين، ثم سافر للحج بإذن من القيصر الروسي وبعد أن أدى مناسك الحج توفي رحمه الله ودفن بالبقيع حيث مرقد الأطهار والأشراف والأنصار سنة 1287 هجرية بعد حياة جهادية طويلة خدم فيها الإسلام وقاوم المد الكفري وأحيا العزائم من جديد وأشعل جذوة عز وكرامة بقيت متقدة في القلوب لم تطفئها الوحشية الشيوعية والقيصرية طوال مائة سنة حتى نال المسلمون استقلالهم .

وبالجملة كان الإمام 'شامل' من أعظم مجاهدي الإسلام وبطل من أكبر أبطاله حتى أنه صار قدوة ومثالاً للمسلمين المحرومين من نور الحرية في كل مكان، وجعلوه شيخ الإسلام وإمام الدين ومجدده وأثنى عليه علماء عصره وزكوه بما هو أهله مثل العلامة 'إبراهيم الباجوري' من علماء مصر والعلامة المحقق 'شهاب الدين المرجاني' من علماء الشام، وألف العلامة 'حسن الدمياطي الشافعي' من علماء مكة رسالة جيدة في سيرة الإمام 'شامل'، فرحم الله بطلاً خدم الإسلام خدمات جليلة ونساه المسلمون الآن فلم يعرفوا عن أخباره شيئاً .